ثمّ خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من منى ، ونزل في المُحَصَّب . « 1 » وسمّي المحصَّب بهذا الاسم بسبب وجود الحصباء ، لأنّ الأبطح هي الأرض الرمليّة الواقعة في المسيل ، والمغطّاة بالرمل الناعم .
والمحصَّب هو المحلّ الذي تعاقدت فيه قريش مع بني كنانة للتضييق على بني هاشم وبني عبد المطلّب ، بأن لا يناكحوهم ، ولا يبايعوهم ، ولا يؤوهم ، حتّى يسلّموا إليهم رسول الله : ليقتلوه .
وتسمّى هذه الأرض : خَيْف بَني كِنَانَةَ ، أي : الأرض الواسعة . « 2 »
وفي ضوء ذلك العقد ، كان الرسول الأكرم ومعه المسلمون محاصرين في شعب أبي طالب عليه السلام ثلاث سنوات . وكان أبو طالب - بكلّ ما أوتي من قوّة وإمكانيّة - يدعمهم ويحميهم ماليا ودفاعيّاً ، إلى أن ثبت إعجاز النبيّ إذ أخبر عمّه أنّ الله قد سلّط على معاهدتهم حشرة الأرضة فأكلتها ولم تبق منها إلّا عبارة : بِاسْمِكَ اللهُمَّ .
شعر أبي طالب في حماية رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم
ونظم أبو طالب عليه السلام والد أمير المؤمنين عليه السلام هذه الأبيات في ذلك الحين لحماية رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم :
وَاللهِ لَنْ يَصِلُوا إليك بِجَمْعِهِمْ * حتّى اوَسَّدَ في التُّرابِ دَفِينا
فَاصْدَعْ بِأمْرِكَ مَا عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ * وَابْشِرْ بِذَاكَ وَقُرَّ مِنْكَ عُيُونَا
وَدَعَوْتَنِي وَعَلِمْتُ أنَّكَ نَاصِحِي * وَلَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ ثَمَّ أمِينا
وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ * مِنْ خَيْرِ أدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا « 3 »
هامش
( 1 ) - المحصَّب أرض في الأبطح ، شرقيّ مكّة ، وتقع بينها وبين منى .
( 2 ) - « البداية والنهاية » ج 5 ، ص 203 إلي 205 .
( 3 ) - كتاب « مؤمن قريش » تأليف الخُنَيْزي ، ص 161 ، وذكر مصادرها في الهامش : « شرح نهج البلاغة » لابن أبي الحديد ج 2 ، ص 306 ؛ و « السيرة النبويّة » ج 1 ص 85 و 197 ؛ و « ثمرات الأوراق » ج 2 ، ص 4 ؛ و « العبّاس » ص 22 و 23 ؛ و « هاشم وامَيَّة » ص 167 ، « الكشّاف » ج 1 ، ص 448 وج 2 ، ص 10 ؛ و « تذكرة الخواصّ » ص 9 ؛ و « معجم القبور » ج 1 ، ص 186 ؛ و « المناقب » ص 34 ؛ و « ديوان أبي طالب » ص 7 ؛ و « أعيان الشيعة ج 39 ، ص 128 ؛ والبيت الأوّل في « السيرة الحلبيّة » ج 1 ، ص 322 ، والبيتان الأخيران في « الإصابة » ج 4 ، ص 116 ؛ واسند إلي مصادر عديدة في كتاب « الحجّة » ص 63 ، واسند إلي مصادر عديدة في كتاب « شيخ الأبطح » ص 27 و 88 أيضاً . وارجع في كتاب « الغدير » ج 7 ، ص 334 إلي مراجع متعدّدة ، وقال : رواه الثعلبيّ في تفسيره . وقال : اتّفق مقاتل ، وعبد الله بن عبّاس ، والقاسم بن مَحْضَرَة ، وعَطاء بن دينار في صحّة نقل هذه الأبيات عن أبي طالب . وعدّها البَرْزَنْجِيّ من كلام أبي طالب المعروف . وأخرجها البيهقيّ في « دلائل النبوّة » عن طريق ابن إسحاق ، عن يعقوب بن عُتَيبة بن المُغيرة بن الأخْنَس ، كما قال شارح « الكشّاف » في ج 2 ، ص 10 .
وأقول : ذكر أبو الفداء ، وهو من العامّة ، هذه الأبيات في تأريخه لإثبات هذا الأمر . واستشهد ببعضها ابن هِشَام في « قَطْر النَّدَى » في باب التمييز ، وكذلك السُّيُوطيّ في « شرح ألفيّة ابن مالك » في أفعال المدح والذمّ ، لإثبات بعض المسائل النحويّة .