نهى عمر عن التمتّع في الحجّ ، اجتهاد مقابل النصّ
والجواب هو : أنّ الدليل من هذه الوجهة جليّ أيضاً ، لأنّه اجتهاد في مقابل النصّ . فالله ورسوله نصّا على جواز التمتّع ولا إشكال في النصّ على حجّ التمتّع . فكيف يسوغ لنا حينئذٍ أن نقدّم رأينا الخاصّ واجتهادنا الفكريّ ؟ والله ورسوله أعلم أنّ الذي يخافه عمر وهو منه في قلق ، سيفعله ومع ذلك أمر صلّى الله عليه وآله وسلّم بالتمتّع ، بل أمر الناس أن يتمتّعوا ويؤدّوا حجّهم على هذا النحو . وهذا من الفيوضات الناتجة عن رحمة الله الواسعة ، إذ رفع الله عن امّته ما عانته الأمم السابقة من المشاقّ ، واستجاب دعاءه : رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ على الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ . « 1 »
وعندما يجيز الله ورسوله شيئاً بصراحة ، فهل هناك من يجرأ على المخالفة ؟ مضافاً إلى ذلك ، فإنّ الله ورسوله أعلم بمصالح الأحكام ، وملاك القوانين ، والحئول دون المفاسد ؛ وكما نوّهنا ، لعلّ طول البقاء في الإحرام يؤدّي بكثير من الحجّاج إلى ارتكاب المعصية والعمل اللامشروع بسبب عدم تحمّلهم . وقد رفع الله هذا التكليف الشاقّ ورجّح اليُسر على العُسر رَحْمَةً لِلُامَّةِ المَرْحُومَةِ .
ومن عجائب الأمر أنّ الآية التي تشرّع حكم التمتّع يأتي في بيانها بعين المعنى الذي أظهر عمر أنّه يخشاه . ألم يقل تعالى : فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلى الْحَجِّ ؟ وهل التمتّع إلّا استيفاء الحظّ من المتاع والالتذاذ بطيّبات النكاح واللباس وغيرهما ؟ والشاهد على ما نقول رواية جاءت في تفسير « الدرّ المنثور » ، قال : أخرج ابن أبي شيبة ، وابن المنذر عن عطاء قال : إنَّما سُمّيت المتعة لأنّهم كانوا يتمتّعون من النساء والثياب . وفي
هامش
( 1 ) - الآية 286 ، من السورة 2 : البقرة .