تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الإمام — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
وهذه الرحلة تحظى بالاهميّة عند المؤرّخين ، ومع هذا كلّه فإنّ غفلة ابن بطوطة عن هذا الأمر الواضح البيّن لا تغفر له . مضافاً إلى كلّ ما مرّ من كلام ، فما هو الدافع لنا أن نقدّس ابن تيميّة إلى هذه الدرجة سالكين طرقاً وعرة ومطبّات عويصة بغية تبرير أخطائه ! وهو الذي شهد بزيغه الفكريّ علماء الإسلام كافّة ؛ حتى أنّ ابن بطوطة نفسه قد رأي خللًا ونقصاً في عقله ، وذكره تحت عنوان الْفَقِيهُ ذُو اللَّوْثَة . هذه أخطاء ابن تيميّة ، وابن عبد الوهّاب ، كلّها ناتجة عن التزمّت ، والتعنّت ، والجمود على الظاهر ، وعدم التعقّل في آيات الله . فلقد تعلّما كلمة واحدة وهي : لا يمكن أن نتجاوز القرآن والسنّة النبويّة ؛ ولكن ما هو القرآن ، وكيف يجب أن نفهمه منه ؟ وكيف نفسّر القرآن ، وهو كتاب للعمل ومنهج للعلم يستضيء به الحكماء وذوو الألباب في العالم حتى فناء الدنيا وقيام القيامة ؟ إنّهما وأمثالهما لا يفهمون أبداً . يقولون : وَجَاءَ رَبُّكَ ، أي أنّ الله يمشي ويذهب ويجيء .

الالفاظ الموضوعة للمعاني العامّة

أنّ هؤلاء لو خطوا على طريق الأدب الصحيح ، والفلسفة الإسلاميّة خطوة واحدة ، لما تقوّلوا هذه الأقاويل ، ونسجوا هذه الأباطيل . لقد وضعت الألفاظ للمعاني العامّة . فالمجيء بمعنى الإتيان ، أي الأقتراب التدريجيّ . وتتمثّل هذه الحقيقة في الإنسان برجليه ، وفي الحيوان ذي الأربع بأربع ، وفي الطير بتحريك جناحيه ؛ وفي الحوادث الأرضيّة والسماويّة لمناسبتها . أنتم تقولون : جاء المطر ، وجاء الثلج ، وجاءت الرياح ، وجاءت الزلزلة ، فهل لهذه الأشياء أرجل تمشي بها ؟ ! وتقولون : جاءت الشمس ، وجاء النور ، فهل لهما أرجل ؟ وتقولون في الأمور المعنويّة : جاء عقل زيد إلى موضعه ( ثاب إلى رشده ) ؛ وجاء حبّه ؛ وجاء إدراكه ؛ وجاء سخاؤه ؛ وجاء جبرئيل ؛ وتقولون في الأمور المادّيّة