أهل حَلَب ، وكان وسيماً للغاية . واستبان أنه وافقني على ما قلت . التفتُّ إليه وقلتُ : لما ذا لا تقولون لهؤلاء أن يكفّوا عن إيذاء الزوّار ؟ !
لقد وزّعوا أفراد الشرطة حول قبر رسول الله ، وليس لأحد أن يقبّل القبر المطهّر ، فأيّ عمل هذا ؟ يفد الحجّاج من شتّى بقاع المعمورة مشتاقين لزيارة قبر نبيّهم ، ولعلّهم لا يفلحون بالمجيء إلّا مرّة واحدة في حياتهم فهم يريدون التعبير عن حبّهم لنبيّهم من خلال تقبيل قبره المقدّس ، ولأنهم قد حرموا لقاء رسول الله فإنّهم يقبّلون الباب ، والضريح ، وهم يبكون في عواطف جيّاشة فيّاضة تملا الرحب .
وإذا ما حاولوا التقبيل ؛ فإنّ أسواط الشرطة تنهال على رؤوسهم بغتةً أن : لا تقبّل يا مشرك ! هذا الضريح من حديد ! الحديد لا يقبّل ! تقبيل الحديد شرك ؛ ويؤيّد الآمرون بالمعروف هذه التخرّصات أيضاً ويقولون :
هذه الأعمال شرك .
يقف الحجّاج المساكين إلى ناحية حائرين مدهوشين ، وهم في حالة يرثي لها كالخشبة اليابسة ؛ ويتحدّثون مع أنفسهم : أيّ خطب هذا ؟ ! أيّ شرك هذا ؟ !
أناشدكم بصاحب هذا البيت ، هل يقبّل الحجّاج الحديد والفولاذ أو يقبّلون جسم رسول الله ، أو نفس رسول الله ؟ ! هل يقبّلون الحديد والخشب ، أو يقبّلون النفس المقدّسة للصدّيقة الطاهرة ؟ ألا يخطر ببالكم أن تقبّلوا يد أبيكم أو امّكم أو أستاذكم أو معلمّكم أو مربيّكم من العلماء ؟
هل تحترمون روحه ، أو تحترمونه كقطعة من لحم فقط ؟ !
ألم تقرءوا شعر قيْسِ بنِ المُلَوَّحِ العامِرِيّ ، إذ قال في معشوقته لَيْلى العامِريّة :
أمُرُّ على جِدَارِ دِيَارِ لَيْلى * اقَبِّلُ ذَا الدِّيَارَ وَذَا الْجِدَارَا