السامعين من الناس ، وهو ظاهر . لأنه قال : نُكَلِّمُ ، ولم يقل : نَقُولُ أو نُبَيِّنُ أو نَذْكُرُ ، ونحو ذلك . وفي هذا دلالة على أنّ المعاف التي بيّنها الأنبياء عليهم السلام إنّما وقع بيانها على قدر عقول أممهم وما تستوعبه وتتّسع له أفكارهم ، لأنهم شاءوا الميل من الصعب إلى السهل ، لا أنهم اقتصروا بهذا المقدار من المعارف الكثيرة إرفاقاً بالعقول ، اقتصاراً من المجموع بالبعض .
وبعبارة أخرى : فإنّ تعبير رسول الله ناظر إلى الكيف دون الكمّ ، فيدلّ على أنّ حقيقة هذه المعارف درايةٌ وراءها ما تسير العقول لإدراكه في المعارف بالبرهان والجلال والخطابة ، وقد بيّنها الأنبياء عليهم السلام بجميع طرق العقول من البرهان والجدل والوعظ كلّ البيان ، وقطعوا في شرحها كلّ طريق ممكن .
ومن هنا يعلم أنّ للمعارف الإلهيّة مرتبة فوق مرتبة البيان اللفظيّ ؛ لو نزلت إلى مرتبة البيان لدفعتها العقول العاديّة ، أمّا لكونها خلاف الضرورة عندهم ، أو لكونها منافية للبيان الذي بيّنت لهم به وقبلته عقولهم .
ومن هنا يظهر أنّ نحو إدراك هذه المعارف بحقائقها غير نحو إدراك العقول . وهو الإدراك الفكريّ ، فإنّهم ذلك !
ومنها الخبر المستفيض المشهور : « 1 » انّ حَدِيثَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ
هامش
( 1 ) - هذه الأحاديث كثيرة ؛ وجاءت بتعابير متنوّعة بلغت حدّ الاستفاضة . ذكرها المجلسيّ في الجزء الأوّل من « بحار الأنوار » طبع كمباني من ص 117 إلي ص 126 تحت عنوان : « باب إنّ حديثهم عليهم السلام صعب مستصعب وإنّ كلامهم ذو وجوه كثيرة ، وفضل التدبّر في أخبارهم والتسليم لهم ، والنهي عن ردّ أخبارهم »