رسول الله لا يستجيب لطلباتهم ، فأنّهم - دون الالتفات إلى الآيات القرآنيّة الكفيلة بعلاج كلّ مشكلة والجواب على كلّ سؤال وتوضيح كلّ غامض - كانوا يقولون على سبيل المؤاخذة : لَوْلآ انْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ . وهذه مؤاخذة بلغت من السقم والقبح درجة ، نجد فيها أنّ الله جلّ شأنه أعرض عن جوابهم ولم يخاطبهم في الردّ عليهم بل ولم يتحدّث مع نبيّه عن كلامهم ، واكتفي فقط بخطاب نبيّه في أمر هامّ وأصيل قائلًا : انّمَآ أنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ .
آية « ولكلّ قومٍ هاد » دالّة على أنّ الأرض لا تخلو من حجّة
تدلّ هذه الآية على أنّ الأرض لا تخلو من إمام وحجّة أبداً . وسيكون هذا الإمام دليلًا وهادياً من الله لطبقات الناس المتنوّعة في العصور المختلفة دائماً يدعوها إلى سبيل الحقّ ، سواء كان هذا الدليل النبيّ المنذر أو كان الهادي بهداية الله . ولم يختلف المفسّرون في أنّ المنذر في هذه الآية هو الرسول الأكرم ، وذلك أنّ قوله : انّمَآ أنتَ مُنذِرٌ صريح في انحصار وصف الإنذار به ، بَيدَ أنّهم اختلفوا في القصد من الهادي ، فذكروا أربعة أوجه في تفسيره .
الوجوه المختلفة في تفسير الهادي
الوجه الأوّل : قالوا : هو الله . فكأنّه يريد أن يقول : أنت أيّهَا النبيّ تدعو الناس إلى الله فقط ، وتنذرهم من مغبّة أعمالهم القبيحة ، ولكنّ الهداية بِيَدِ الله فأنّه يوجّه كلّ فرقة إلى حيث أمنها وأمانها . وقد نقل هذا القول عن سعيد ابن جبير . « 1 » وابن عبّاس ، والضحّاك ، ومجاهد . « 2 » يقول السيوطيّ : أخرج ابن جرير ، وابن منذر ، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ، قال : في قوله تعالى : انّمَآ أنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ، قال : مُحَمَّدٌ
هامش
( 1 ) - « تفسير أبي الفتوح الرازيّ » ج 6 ، ص 462 .
( 2 ) - « تفسير مجمع البيان » ج 3 ، ص 278 ، و « تفسير الفخر الرازيّ » ج 19 ، ص 14 .