وثالثاً : أنّ ما أخذه الله على نفسه هو الإتيان بمعجزة لأنبيائه ، حتى يستبين اتّصالهم به وبعالم الغيب ، وتكون سنداً لنبوّتهم ، لا أنّه يأتي بمعجزة جديدة كلّ يوم كما تهوى أنفس الناس . فالمعجزات المتتالية تصنع أناساً جامدين وعديمي الفهم ، وتصادر منهم عقولهم ، وتعطّل سنّة الله في تربية البشريّة وإعدادها ، وتقف حجر عثرة في طريق تكاملها على أساس الاختيار والمجاهدة والعمل الصالح . وإذا كان الناس من أهل التسليم والطاعة ، فينبغي عليهم أن يسلّموا لأوّل معجزة تأتيهم ، وإذا لم يكونوا كذلك ، فأنّهم لا يسلّمون مهما كانت المعجزات كثيرة ومتنوّعة ، إذ يفسّرونها بالسحر والشعوذة ، ويسلكون سبلًا مضلّة تهرّباً من اتّباع أنبيائهم كما قال تعالى في محكم كتابه العزيز : وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أسْمَعَهُمْ لَتَولَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ . « 1 »
مضافاً إلى ذلك ، فليس هناك حدّ معيّن لأهواء الناس وطلباتهم ، فتراهم كلّ يوم يطلبون معجزة جديدة من نبيّهم غير معجزة الأمس ، وليس لنبيّهم إلّا أنْ يكون ألعوبة لتنفيذ مآربهم الفاسدة . ويصبح مدعاة لتعطيل السنن الكونيّة بدل التوجّه إلى التربية والتعليم وإرائة الصراط المستقيم المؤدّي إلى الله دائماً ، وبالتالي فأنّه ينبري إلى تأدية أمورهم عن طريق الأشياء الخارقة للعادات وفقاً لما تهوى أنفسهم .
بطلان طلب المشركين من رسول الله معجزة غير القرآن
وكان مشركوا مكّة وكفّارها يطلبون من رسول الله معجزات متنوّعة ولافتة للنظر كإنزال ملائكة يرونهم ، والإتيان بكتاب محسوس من السماء ، وتحويل الحجر إلى ذهب ، وتفجير الينابيع والأنهار في جبال مكّة ، أو أنْ يكون له بيت من زخرف ، أو يرتقي في السماء ، وأمثال ذلك . ولمّا كان
هامش
( 1 ) - الآية 23 ، من السورة 8 : الأنفال .