أنّهم لم يعترفوا بالقرآن المجيد بوصفه أعظم معجزة نزلت على النبيّ ، فكانوا يرتابون فيه ، ولم يعتنوا به لاهثين وراء معجزات أخرى حسيّة وماديّة كمعجزات القرون الخالية .
بَيدَ أنّ طلبهم هذا غير صائب من عدّة جهات : أوّلًا : أنّ اختيار المعجزة الخارقة للعادة بِيَدِ الله وحسب ، فليس لرسول الله أن يتدخّل فيها بصورة مستقلّة فهو إنسان مخلوق وخاضع لحكم الله كبقيّة الناس . وليس باستطاعته أن يعمل خلاف الإرادة الإلهيّة أبداً ، سواء شاء هو نفسه أو أراد الآخرون منه ذلك . قال جلّ من قائل : لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعاً وَلَا ضَرًّا وَلَا مَوْتًا وَلَا حَيوةً وَلَا نُشُوراً . فكلّما يريد الله ، فأنّه يجريه على يد نبيّه ، سواء كان ذلك إحياء الموتى ، أو انقلاب العصا إلى ثعبان ، أو إنزال القرآن . ولذلك فأنّ النظر إلى النبيّ على أنّه مستقلّ في التأثير أو شريك في الأثر خطأ بحت . ثانياً : كان علم السحر والشعوذة قد بلغ ذروته في عصر موسى فجعل الله معجزته من سنخ ذلك العلم الشائع بين الناس وأمثاله . بحيث تفوّقت قدرة الإنسان ، وبالفعل فقد أذعن السحرة حينئذٍ لتلك المعجزة وآمنوا بها . وكان علم الطبّ قد تطوّر في عصر عيسى إلى درجة كان الأطبّاء يعالجون الأمراض المتعذّر علاجها ، فجعل الله معجزته من صنف ذلك العلم بحيث أنّ الحاذقين في علم الطبّ عجزوا عن الإتيان بمثلها . وحقيقة المعجزة هي أنّ العلماء المعاصرين لها ، الذين كرّسوا أعمارهم في العلوم المماثلة لها ، عاجزون عن الإتيان بمثلها ، ولا بدّ لهم أن يعترفوا بتفوّقها وتقدّمها على غيرها من العلوم ، لا أنّ عوامّ الناس عاجزون عن الإتيان بمثلها .
وفي عصر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بلغ علم الفصاحة والبلاغة أوجه ، وكان الشعراء المتضلّعون ينشدون الأشعار الأدبيّة مزيّنين
معرفة الإمام — صفحة 170
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٧٠