وهو رسول رجل عدوّ لنا فأعطنيه لأقتله ، فأنّه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا . يقول ابن العاص : فغضب الملك ، ثمّ مدّ يده ، فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنّه قد كسره ، فلو انشقّت لي الأرض لدخلت فيها فرقاً منه . ثمّ قلتُ : أيّها الملك ، والله لو ظننت أنّك تكره هذا ، ما سألتكه . فقال : أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر ( جبرائيل الأمين ) الذي كان يأتي موسى لتقتله ؟ فقلتُ : أيّها الملك ، أكذلك هو ؟ فقال : أي والله ! أطعني ويحك واتّبعه ، فأنّه والله لعلى حقّ ، وليظهرنّ على من خالفه ، كما ظهر موسى على فرعون وجنوده . قلتُ : فبايعني له على الإسلام ، فبسط يده ، فبايعته على الإسلام ، وخرجتُ عامداً لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فلمّا قدمت المدينة ، جئت إلى رسول الله وقد أسلم خالد بن الوليد ، وقد كان صحبني في الطريق إليه . فقلتُ : يا رسول الله ، أبايعك على أن تَغفر لي ما تقدّم من ذنبي . ولم أذكر ما تأخر . فقال : بايِعْ يَا عَمْرُو ؛ فأنّ الإسلام يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ وَأنّ الْهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَها . فبايعته وأسلمتُ . « 1 »
رسالة معاوية إلى عمرو بن العاص واستعانته به
ويقول ابن عبد البرّ : أنّ إسلام عمرو بن العاص كان سنة ثمان ، وأنّه قدم ، وخالد ابن الوليد ، وعثمان بن طلحة المدينة ، فلمّا رآهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : رَمَتْكُمْ مَكَّةُ بِأفْلَاذِ كَبِدِهَا . « 2 »
يتّضح لنا من هذه الرواية جيّداً أنّ إسلام عمرو بن العاص لم يكن من دافع خلوص السريرة ، وعزم سابق ، وإرادة حقيقيّة ، بل أنّه لمّا جوبه برفض النجاشيّ عندما التجأ إليه بعد أن ارتكب كلّ جريمة ، ودعاه النجاشيّ إلى الإسلام . لم يجد بدّاً له ولديناه إلّا البيعة والتسليم في آخر المطاف .
هامش
( 1 ) - « شرح نهج البلاغة » شرح الخطبة 83 ، ج 6 ، ص 318 و 319 .
( 2 ) - « الاستيعاب » ج 3 ، ص 1185 .