الإرادة التشريعيّة ، فهذه لا تخصّ أهل البيت ، بل تشمل جميع المسلمين ، بل جميع الناس ، فالحكم والقانون والأمر والنهي ، كلّ هذه الأشياء تكون للجميع ، وقد ذكرنا فيما تقدّم أنَّ الآية بدأت بكلمة « إنَّمَا » وهي تفيد الحصر ، أي أنَّ الله أراد تطهير أهل البيت على سبيل الحصر ، وهذه الإرادة طبعاً هي الإرادة التكوينيّة المستلزمة للعصمة ، كما جاء في مريم ، قوله تعالى : وَإذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ على نِسَاءِ الْعَالَمِينَ . « 1 »
فمن الواضح أنَّ هذه الطهارة هي طهارة ذاتيّة قبل العمل ، لا طهارة مسبّبة عن العمل وبعد العمل ، بل يمكن القول إنَّ آية التطهير ( إنَّمَا يُرِيدُ اللهُ ) في الإرادة التكوينيّة وإفادة العصمة من هذه الآية أكثر صراحة ، لأنَّ من الممكن أن يطرح احتمال وهو أنَّ طهارة مريم ناتجة عن الطهارة في الأمر والنهي والتشريع ، مع أنَّ هذا الاحتمال هو خلاف الظاهر ، بَيدَ أنَّه ليس خلاف النصّ والتصريح أمّا في آية التطهير ، لمّا كانت الإرادة إنَّما نصّ في الحصر ، والحصر ينأى عموميّة التكليف بالنسبة إلى جميع الاشخاص ، لذلك فإنَّ آية التطهير أقوى في إفادة معنى العصمة لأهل البيت من الآية التي تفسِّر معنى العصمة لمريم .
ولو قيل : إنَّ المراد من إذهاب الرجس ، والتطهير ، هو إرادة التقوى في أعلى درجاتها ، إذ إنَّ الله أرادها من أهل البيت فقط ، وجعل تكليفهم أشقّ من تكليف غيرهم ، كما في وجوب صلاة الليل على الرسول الأكرم وجواز صوم الوصال ، وأمثال ذلك من التكاليف الشاقّة والعسيرة ، لذلك فإنَّ المراد من إرادة الله في هذه الآية إرادته التشريعيّة وجعل الحكم . وهذا لا ينأى حصر هذه الإرادة في أهل البيت .
هامش
( 1 ) - الآية 42 ، من السورة 3 : آل عمران .