وجودهم ، والاختيار يمثّل إحدى هذه المراحل . إذَن ، فالأفعال الصادرة عنهم كلّها مرتكزة على الاختيار . ولمّا كان الاختيار ناتجاً عن نفس شريفة طاهرة نقيّة ، لذلك فإنَّهم يقومون بالأفعال والأعمال المحمودة مختارين لا مجبرين أو مضطرّين . وفي مقابل هؤلاء المطهّرين ، ثمّة أشخاص ذواتهم ملوّثة وشقيّة ، فلا تلحظ فيهم نقطة بيضاء صافية ، وتبعاً لتلك الذوات الشقيّة تكون ملكاتهم وأخلاقهم قبيحة ومذمومة ، وكذلك تكون نواياهم وخواطرهم تبعاً لذلك ، ثمّ تكون أعمالهم قبيحة ومذمومة تبعاً لتلك النوايا والخواطر . وبين هذين الفريقين أشخاص آخرون خلطوا بين طهارة النفس وقذارتها ، فكلّما كانت القذارة أقلّ والطهارة أكثر ، فإنَّ أفعالهم المتحقّقة في الخارج تكون أفضل وأنقى وأرضى . وكلّما كانت الطهارة أقلّ والقذارة أكثر ، فإنَّ تلك الأفعال تكون أكثر ظلمة ، وأبعد عن الإخلاص ، وأقذر . وبين هاتين المرحلتين أناس لا يعدّون ولا يحصون في درجات متنوّعة . وأعمالهم وليدة نيّاتهم ، ونيّاتهم وليدة ملكاتهم النفسيّة ، وملكاتهم النفسيّة تتباين تبعاً لاختلاف درجات القذارة والطهارة التي عليها نفوسهم ، وكلّ إناء بالذي فيه يرشح .
مَلَكْنَا فَكانَ الْعَفْوُ مِنّا سَجِيَّةً * فَلَمَّا مَلَكْتُمْ سالَ بِالدَّمِ أبطَحُ
وَحَلَّلْتُمْ قَتلَ الأُسَارى فَطَالَمَا * غَدَوْنَا على الأسرى فَنَعْفُو وَنَصْفَحُ
وَحَسْبُكُمُ هَذَا التَّفَاوُتُ بَيْنَنَا * وَكُلُّ إنَاءٍ بِالذي فِيه يَرْشَحُ
إنَّ عفو أمير المؤمنين عليّ عليه السلام عن أعدائه مثل : مروان بن الحكم ، وعائشة بعد معركة الجمل قد أدهش العقل وحَيّره . فعليّ وغيره