أنَّهُمْ اعْتَمَرُوا في أشْهُرِ الْحَجَّ رَأوها مُجْزِيَةً مِن حَجِّهمْ فَكَانَت قَائِبَةَ قَوبِ عِامِهَا فَقُرعَ حَجُّهُمْ وَهُوَ بَهاءٌ مِن بَهاءِ اللهِ ، وَقَدْ أصَبْتُ . « 1 »
هامش
( 1 ) - القوب بمعنى الفرخ ، والقائب هو ذو القوب ، فالبيضة التي فيها فرخ تسمّى قائباً والمقوب هو البيضة التي خرج منها الفرخ . ولمّا كان عمر يرى أنَّ الحجّ يكون بالإحرام من الميقات ، ولا يعتبر الإحرام من مكّة بعد عمرة التمتّع كافياً . وكذلك فإنَّه اعترض على رسول الله في حجّة الوداع بعد تبديل حجّ الإفراد بعمرة التمتّع والحجّ الذي يلزمه الإحرام من مكّة ، إذ إنَّه بعد دخول مكّة والتمتّع يظلّ الحجّاج معرّسين بأزواجهم تحت شجر الأراك ورؤوسهم تقطر ماءً من غسل الجنابة . فقال النبيّ : هذا أمر الله وليس مِنّي . لذلك فإنَّ عمر كان يرى الحجّ فقط بالإحرام من الميقات . والإحرام من مكّة بعد عمرة التمتّع غير صحيح عنده . وكان يقول : إنَّ الحجّ لا يكون بعد التمتّع بالنساء بعد العمرة ، فهذا حجّ ناقص . والحجّ هو أن يتوجّه الحجيج إلى عرفات شعثاً غبراً ، أو أنَّهم إذا جاءوا إلى مكّة فلا يتمتّعوا ويصبروا على الإحرام حتى يحين موسم الحجّ . لذلك فإنَّ من جاء بعمرة التمتّع فإنَّ مثل عمرته كمثل البيضة التي يخرج منها الفرخ فتبقى بدونه . ولو جاء أحد بعمرة التمتّع فما له في هذه السنة إلّا تلك العمرة وحجّه غير صحيح . ولمّا كان الحجّ بهاء من بهاء الله ، لذلك يجب الإحرام للحجّ من الميقات . وفي هذه الحالة فقد اعتبر عمرة التمتّع حراماً . وجعل الحجّ منحصراً بحجّ الإفراد . فالذين يحجّون حجّ الإفراد يخرجون من مكّة بعد إتمامه ، ويحرمون من مسجد التنعيم أو الجعرانة ، ويأتون إلى مكّة ، ويقومون بالعمرة المفردة ، كما إنَّ عائشة عندما كانت في حيضها وأرادت أداء الحجّ أمرها النبيّ أن تذهب إلى مسجد التنعيم لأداء العمرة وتحرم من هناك ثمّ تأتى إلى مكّة للقيام بالعمرة المفردة . هذا هو المعنى المفهوم من كلام عمر إذ صرّح علناً بأنَّ عمرة التمتّع حرام لأنَّها تخلّ بالحجّ ، والحجّ بهاء من الله . لكنّ ابن الأثير في كتابه اللغويّ ، يفسّر كلام عمر بشكل آخر . قال في « النهاية » في مادّة قوب : وفي حديث عمر : « إن اعتمرتم في أشهر الحجّ رأيتموها مجزئةً عن حجّكم فكانت قائبة قوب عامها » . ضرب هذا مثلًا لخلوّ مكّة من المعتمرين في باقي السنة ، يقال : قيبت البيضة فهي مقوبة إذا خرج فرخها منها ، فالقائبة البيضة ، والقوب الفرخ ، والمعنى أنَّ الفرخ إذا فارق بيضته لم يعد إليها وكذا إذا اعتمروا في أشهر الحجّ لم يعودوا إلى مكّة . وذكر صاحب « لسان العرب » هذا الكلام نفسه ، ولا يخفى فإنَّ عمر لا يقصد هذا المعنى المذكور . وهؤلاء أرادوا أن يبرّروا كلامه بتفسيرهم . فهو يصرّح بأنَّ الحجّ يُقرَعُ وهو بهاء الله . والعمرة قائبة القوب ، أي : البيضة مع فرخها لتلك السنة ، وعندما يخرج الفرخ ، تخلو البيضة ، فلم يعد هناك حجّ في تلك السنة ، وهذا خلاف النصّ النبويّ ولا يقبل التبرير وذلك لأنَّ الأشخاص الذين كانوا يحجّون في عصر النبيّ ، لهم أن يحرموا من مسجد التنعيم بلا فصل ، وشرط حجّ الإفراد هو أن لا يعتمروا بعده ، بل يعتمروا في أيّام السنة الأخرى كي لا تخلو مكّة من المعتمرين .