ويمحيها ويهدمها ، ويقطع أصول وجذور البخل والشره والتهوّر كي لا تبدر منهم أبداً أمثال هذه الرذائل في أي لحظة من العمر ، ومع أكثر الظروف ملائمةً ، ولو لمرّةٍ واحدة . فيوسف الصدّيق مع توفّر جميع الشرائط والإمكانات ، ومع وجود جميع المقتضيات ومع مواجهته للمخاطر العظيمة بسبب هجره للذنب ، فانّ قلبه - مع ذلك كلّه - لم يسمح له بارتكاب الذنب ؛ وهذه خاصّة وجوهرة القلب في مثل هؤلاء الأشخاص التي لا تسمح لهم حتى بأن يحلموا في النوم بارتكاب الذنب ، ولا أن يتخيّلوا ارتكابه في اليقظة . فليس هناك للمقرّبين وأولياء الله طوال عمرهم لحظة واحدة يفكّرون فيها بالذنب ، حتى لو عاشوا سنوات كثيرة دون زوجة ، ومهما توفّرت لهم جميع الإمكانات بأعلى درجاتها ، حتى لو تهيّئت وسائل الذنب بعيداً عن انظار الناس واطّلاعهم ، فإنهم لن تخطر على قلوبهم فكرة الذنب أبداً .
وهؤلاء الأفراد قد استثنوا لوحدهم من كلية بروز غرائزهم ، كما انّ ذلك العلم الذي أعطاهم الله تعالى اثر مجاهداتهم النفسيّة واستقامتهم في طريق عبوديّته الحقة ، فوصلوا بنور القلب إلى هذا المقام ؛ ليس من العلوم البسيطة ، بل هو علم خاصّ وكيفيّة مخصوصة يعبّر عنها لسان القرءان الكريم ب ( روح الله ) أو ( روح القدس ) :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا
« 1 » .
لقد جعلنا هذا الروح نوراً لكي نهدي به من نشاء من عبادنا ؛ وهذا النور هو روح الله أو روح القدس الذي دخل في قلب الإنسان وحوّل حالة
هامش
( 1 ) - صدر الآية 52 ، من السورة 42 : الشّورى .