من المسلم انّه سيكون بمعنى الحال والاستقبال . أي : يا إبراهيم اني سأجعلك إماماً . ولأنّ إبراهيم في هذا الخطاب كان في منصب النبوّة ، لذا فان من المسلم أن الإمامة هي غير النبوّة . وإضافة إلى ذلك فانّ الخطاب نفسه : (
إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً
) كان وحياً من السماء ، ولا يمكن أن يحصل دون وجود منصب النبوّة ، لذا فانّ إبراهيم عليه السلام كان نبيّاً قبل منصب الإمامة ، وانّ الإمامة لن تكون هنا بمعنى النبوّة .
لقد كانت هذه الإمامة بعد الابتلاءات التي مرّ بها إبراهيم ، ومن جملتها ذبحه لولده إسماعيل ، وكانت عند كبر إبراهيم وشيخوخته ، فقد مرّ عليه - قبل ان يُرزق أولاداً - الملائكةُ الذاهبون لإهلاك قوم لوط ، وكان ءانذاك نبيّاً مرسلًا ، ونتيجة لذلك فانّ إمامته كانت بعد درجة النبوّة .
وعلّة خطأ هؤلاء المفسّرين كثرة استعمال لفظ الإمام في غير الموارد الصحيحة بتسامحات عرفية ، بحيث حصل التصوّر بانّه يمكن إطلاق اسم الإمام على كلّ من يمتلك رئاسة أو تفوّقاً ؛ ولأنّ النبّي مطاع ومتفوّق ، فقد عبّر عنه بالإمام .
لذا فقد فسّر البعض لفظ ( إماماً ) في هذه الآية المباركة بالنبيّ ، والبعض بالرسول ، والبعض بالمطاع ، وفسّره البعض الأخر بالوصيّ والخليفة والرئيس والقائد ، وجميعها غير صحيح ، لأنّ معنى ( النبيّ ) من النبأ ، والنبأ بمعنى الخبر . فالنبيّ هو الذي يخبره الله سبحانه في باطنه ، وهو غير معنى الإمام . كما أن ( الرسول ) هو المكلّف بوظيفة التبليغ ، ولا يستلزم ذلك أن يعتبره الناس قدوةً فيتبعونه في الظاهر والباطن ، أو يسمعون كلامه فيعملون به ، ولذلك فانّ معنى الرسول هو أيضاً غير الإمام .
امّا ( المطاع ) فهو الإنسان الذي له من الاحترام والحيثيّة بحيث يُطيعه الناس ، وهو من لوازم النبوّة والرسالة ومختلف عن معنى الإمامة .