متن : و يؤيّد ما ذكرنا من أن النبوىّ ليس واردا فى مقام الالزام به ترك الشبهات امور :
أحدها : عموم الشبهات للشبهة الموضوعيّة التحريميّة الّتى اعترف الأخباريّون بعدم وجوب الاجتناب عنها . و تخصيصه بالشبهة الحكميّة ، مع أنّه إخراج لأكثر الأفراد ، مناف للسياق ، فانّ سياق الرواية آب عن التخصيص ، لأنه ظاهر فى الحصر ، و ليس الشبهة الموضوعيّة من الحلال البيّن . و لو بنى على كونها منه لأجل أدلّة جواز ارتكابها ، قلنا بمثله فى الشبهة الحكميّة .
الثانى : أنّه صلى اللّه عليه و آله رتّب على ارتكاب الشبهة الوقوع فى المحرّمات و الهلاك من حيث لا يعلم . و المراد منها جنس الشبهة ، لأنه فى مقام بيان ما تردّد بين الحرام و الحلال ، لا فى مقام التحذير عن ارتكاب المجموع . مع أنّه ينافى استشهاد الامام عليه السّلام . و من المعلوم أنّ ارتكاب جنس الشبهة لا يوجب الوقوع فى الحرام و لا الهلاك من حيث لا يعلم إلّا على مجاز المشارفة ، كما يدلّ عليه بعض ما مضى و ما يأتى من الأخبار . فالاستدلال موقوف على إثبات كبرى ، و هى أنّ الأشراف على الوقوع فى الحرام و الهلاك من حيث لا يعلم محرّم من دون سبق علم به أصلا .
الثالث : الأخبار الكثيرة المساوقة لهذا الخبر الشريف الظاهرة فى الاستحباب بقرائن مذكورة فيها :
منها : قول النبىّ صلى اللّه عليه و آله فى رواية النعمان ، و قد تقدّم فى أخبار التوقف .
و منها : قول أمير المؤمنين عليه السّلام فى مرسلة الصدوق أنّه خطب و قال : « حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات بين ذلك . فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم فهو لما استبان له أترك ، و المعاصى حمى اللّه ، فمن يرتع حولها يوشك أن يدخلها » « 1 » .
و منها : رواية أبى جعفر الباقر عليه السّلام ، قال : « قال جدّى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فى حديث يأمر به ترك الشبهات بين الحلال و الحرام : « من رعى غنمه قرب الحمى نازعته نفسه إلى أن يرعاها فى الحمى . ألا و إنّ لكلّ ملك حمى ، و إنّ حمى اللّه محارمه ، فاتّقوا حمى اللّه و محارمه » « 2 » .
و منها : ما ورد من :
« إنّ فى حلال الدنيا حسابا و فى حرامها عقابا و فى الشّبهات عتابا » « 3 » .
و منها : رواية فضيل بن عياض ، قال : قلت لأبى عبد اللّه عليه السّلام : من الورع من الناس ؟ قال « الّذى يتورّع عن محارم اللّه و يجتنب هؤلاء ، فإذا لم يتّق الشبهات وقع فى الحرام و هو لا يعرفه » « 4 » .
هامش
( 1 ) - الوسائل : ج 18 ص 118 ب 12 من أبواب صفات القاضى ح 22 .
( 2 ) - وسائل الشيعة : ج 18 ص 124 ب 12 من أبواب صفات القاضى ح 47 .
( 3 ) - كفاية الأثر : ص 227 .
( 4 ) - معانى الأخبار : ص 252 ح 1 .