متن : و قد يجاب « 1 » عن أخبار التوقف بوجوه غير خالية عن النظر : منها : أنّ ظاهر أخبار التوقف حرمة الحكم و الفتوى من غير علم و نحن نقول بمقتضاها ، و لكن ندّعى علمنا بالحكم الظاهرىّ و هى الإباحة لأدلّة البراءة . و فيه : أنّ المراد بالتوقف - كما يشهد سياق تلك الأخبار و موارد أكثرها - هو التوقف فى العمل فى مقابل المضىّ فيه على حسب الارادة الذى هو الاقتحام فى الهلكة ، لا التوقف فى الحكم . نعم قد يشمله من حيث كون الحكم عملا مشتبها ، لا من حيث كونه حكما فى شبهة ، فوجوب التوقف عبارة عن ترك العمل المشتبه الحكم .
و منها : أنّها ضعيفة السند .
و منها : أنّها فى مقام المنع عن العمل بالقياس و أنّه يجب التوقف عن القول إذا لم يكن هنا نصّ من أهل بيت الوحى عليهم السّلام . و فى كلا الجوابين ما لا يخفى على من راجع تلك الأخبار .
و منها : أنّها معارضة بأخبار البراءة ، و هى أقوى سندا و دلالة و اعتضادا بالكتاب و السنّة و العقل . و غاية الأمر التكافؤ ، فيرجع إلى ما تعارض فيه النصّان ، و المختار فيه التخيير ، فيرجع إلى أصل البراءة « 2 » . و فيه : أنّ مقتضى أكثر أدلّة البراءة المتقدّمة - و هى جميع آيات الكتاب و العقل و أكثر السنّة و بعض تقريرات الإجماع عدم استحقاق العقاب على مخالفة الحكم الذى لا يعلمه المكلّف . و من المعلوم أنّ هذا من مستقلّات العقل الذى لا يدلّ أخبار التوقف و لا غيرها من الأدلّة النقليّة على خلافه . و إنّما يثبت أخبار التوقف بعد الاعتراف بتماميّتها على ما هو المفروض تكليفا ظاهريّا بوجوب الكفّ و ترك المضىّ عند الشبهة و الأدلّة المذكورة لا ينفى هذا المطلب . فتلك الأدلّة بالنسبة إلى هذه الأخبار من قبيل الأصل بالنسبة إلى الدليل ، فلا معنى لأخذ الترجيح بينهما . و ما يبقى من السنّة من قبيل قوله عليه السّلام : « كلّ شىء مطلق » لا يكافئ أخبار التوقف ، لكونها لكونها أكثر و أصحّ سندا ، و أمّا قوّة الدلالة فى أخبار البراءة فلم يعلم ، و ظهر أنّ الكتاب و العقل لا ينافى وجوب التوقّف . و أمّا ما ذكره من الرجوع إلى التخيير مع التكافؤ فيمكن للخصم منع التكافؤ ، لأنّ أخبار الاحتياط مخالفة للعامّة ، لاتّفاقهم ، كما قيل « 3 » ، على البراءة و منع التخيير على تقدير التكافؤ ، لأنّ الحكم فى تعارض النصّين الاحتياط ؛ مع أنّ التخيير لا يضرّه ، لأنّه يختار أدلّة وجوب الاحتراز عن الشّبهات .
هامش
( 1 ) - المجيب هو الوحيد البهبهانىّ فى فوائده : ص 242 ، الفائدة 24 من الفوائد القديمة . و نقل عن الفاضل النّراقيّ ، لاحظ اوثق الوسائل : ص 247 س 28 .
( 2 ) - الوسائل : ج 18 ص 127 ب 12 من أبواب صفات القاضى ح 60 .
( 3 ) - القائل هو الامين الاسترابادىّ فى فوائده المدنيّة : ص 133 .