متن : و منهم الصدوق رحمه اللّه ، فإنّه قال « اعتقادنا أنّ الأشياء على الإباحة حتّى يرد النهى » « 1 » . و يظهر من هذا موافقة والده و مشايخه ، لأنّه لا يعبّر به مثل هذه العبارة مع مخالفته لهم ، بل ربّما يقول « الّذى أعتقده و افتى به » و استظهر من عبارته هذه أنّه من دين الإماميّة .
و أمّا السيّدان فقد صرّحا باستقلال العقل بإباحة ما لا طريق إلى كونه مفسدة « 2 » ، و صرّحا أيضا فى مسألة العمل بخبر الواحد أنّه متى فرضنا عدم الدليل على حكم الواقعة رجعنا فيها إلى حكم العقل « 3 » .
و أمّا الشيخ قدّس سرّه فإنّه و إن ذهب وفاقا لشيخه المفيد رحمه اللّه إلى أنّ الأصل فى الأشياء من طريق العقل الوقف ، إلّا أنّه صرّح فى العدّة ب « أنّ حكم الأشياء من طريق العقل و إن كان هو الوقف لكنّه لا يمتنع أن يدلّ دليل سمعىّ على أنّ الأشياء على الإباحة بعد أن كانت على الوقف ، بل عندنا الأمر كذلك و إليه نذهب » « 4 » . انتهى .
و أمّا من تأخّر عن الشيخ رحمه اللّه - كالحلّىّ « 5 » و العلّامة « 6 » و المحقّق « 7 » و الشهيدين « 8 » و غيرهم « 9 » - فحكمهم بالبراءة يعلم من مراجعة كتبهم . و بالجملة ، فلا نعرف قائلا معروفا بالاحتياط و إن كان ظاهر المعارج نسبته إلى جماعة « 10 » .
ثمّ إنّه ربّما نسب « 11 » إلى المحقّق قدّس سرّهم رجوعه عمّا فى المعارج إلى ما فى المعتبر من التفصيل بين ما يعمّ به البلوى و غيره و أنّه لا يقول بالبراءة فى الثانى . و سيجىء « 12 » الكلام فى هذه النسبة بعد ذكر الأدلّة إن شاء اللّه .
و ممّا ذكرنا يظهر أنّ تخصيص بعض القول بالبراءة بمتأخّرى الإماميّة مخالف للواقع ، و كأنّه ناش عمّا رأى من السيّد رحمه اللّه و الشيخ رحمه اللّه من التمسّك بالاحتياط فى كثير من الموارد . و يؤيّده ما فى المعارج « 13 » من نسبة القول برفع الاحتياط على الاطلاق الى جماعة .
هامش
( 1 ) - اعتقادات الصدوق : ص 89 .
( 2 ) - السيد المرتضى فى الذريعة : ج 2 ص 809 ، و ابن زهرة فى الجوامع الفقهيّة ( الغنية ) : ص 486 س 7 .
( 3 ) - السيد المرتضى فى الذريعة : ج 2 ص 549 و السيّد ابن زهرة فى الجوامع الفقهية ( الغنية ) ص 476 .
( 4 ) - عدّة الاصول ( الطبعة الحجرية ) : ص 296 .
( 5 ) - السرائر : ج 1 ص 46 .
( 6 ) - مختلف الشيعة : ج 1 ص 261 .
( 7 ) - معارج الاصول : ص 214 .
( 8 ) - القواعد و الفوائد : ج 1 ص 132 و تمهيد القواعد للشهيد الثانى : ص 271 - 272 .
( 9 ) - كالوحيد البهبهانىّ فى فوائده : ص 247 ، و القمّىّ فى القوانين : ج 2 ص 16 س 3 .
( 10 ) - معارج الاصول : ص 216 .
( 11 ) - الناسب هو القمّىّ فى القوانين : ج 2 ص 15 س 17 .
( 12 ) - سيأتى فى ص 395 .
( 13 ) - معارج الاصول : 916 .