متن : و منه يظهر فساد ما انتصر بعض المعاصرين « 1 » للمستدلّ - بعد الاعتراف بما ذكرنا من ظهور القضيّة فى الانقسام الفعلىّ ، فلا يشمل مثل شرب التتن - من : أنّا نفرض شىء له قسمان : حلال و حرام ، و اشتبه قسم ثالث منه ، كاللحم فإنّه شىء فيه حلال و هو لحم الغنم و حرام و هو لحم الخنزير ، فهذا الكلّىّ المنقسم حلال ، فيكون لحم الحمار حلالا حتّى نعرف حرمته « 2 » . و وجه الفساد أنّ وجود القسمين فى اللحم ليس منشأ لاشتباه لحم الحمار و لا دخل له فى هذا الحكم أصلا ، و لا فى تحقّق الموضوع ؛ و تقييد الموضوع بقيد أجنبيّ لا دخل له فى الحكم و لا فى تحقّق الموضوع مع خروج بعض الأفراد منه مثل شرب التتن - حتّى احتاج هذا المنتصر إلى إلحاق مثله بلحم الحمار و شبهه ممّا يوجد فى نوعه قسمان معلومان بالإجماع المركّب - مستهجن جدّا لا ينبغى صدوره من متكلّم فضلا عن الإمام عليه السّلام .
هذا ، مع أنّ اللازم ممّا ذكر عدم الحاجة إلى الإجماع المركّب ، فإنّ الشرب فيه قسمان : شرب الماء و شرب البنج ، فشرب التتن كلحم الحمار بعينه ، و هكذا جميع الأفعال المجهولة الحكم ؛ و أمّا الفرق بين الشرب و اللحم بأنّ الشرب جنس بعيد لشرب التتن بخلاف اللحم فممّا لا ينبغى أن يصغى إليه .
هذا كلّه ، مضافا إلى أنّ الظاهر من قوله « حتّى تعرف الحرام منه » معرفة ذلك الحرام الّذى فرض وجوده فى الشىء ، و معلوم أنّ معرفة لحم الخنزير و حرمته لا يكون غاية لحلّيّة لحم الحمار .
و قد اورد « 3 » على « الاستدلال » ب : لزوم استعمال قوله عليه السّلام « فيه حلال و حرام » فى معنيين :
أحدهما أنّه قابل للاتّصاف بهما ، و بعبارة اخرى : يمكن تعلّق الحكم الشرعىّ به ليخرج ما لا يقبل الاتّصاف بشىء منهما ، و الثانى أنّه منقسم إليهما و يوجد النوعان فيه إمّا فى نفس الأمر أو عندنا ، و هو غير جائز ؛ و بلزوم استعمال قوله عليه السّلام « حتّى تعرف الحرام منه بعينه » فى المعنيين أيضا ، لأنّ المراد حتّى تعرف من الأدلّة الشرعيّة الحرمة إذا اريد معرفة الحكم المشتبه ، و حتّى تعرف من الخارج من بيّنه أو غيرها الحرمة إذا اريد معرفة الموضوع المشتبه ، فليتأمّل « 4 » . انتهى .
و ليته أمر بالتأمّل فى الإيراد الأوّل أيضا . و يمكن إرجاعه إليهما معا ، و هو الأولى .
و الإنصاف ظهور بعضها فى الدلالة على عدم وجوب الاحتياط فى ما لا نصّ فى الشبهة التحريميّة بحيث لو فرض تماميّة الاخبار الآتية للاحتياط وقعت المعارضة بينهما ، لكن بعضها غير دال الاعلى عدم وجوب الاحتياط لو لم يرد امر عام به ، فلا تعارض ما سيجىء من اخبار الاحتياط لو نهضت للحجيّة سندا و دلالة .
هامش
( 1 ) - هو النراقى .
( 2 ) - مناهج الاحكام ص 214 .
( 3 ) - المورد هو المحقّق القمّى .
( 4 ) - قوانين الاصول : ج 2 ص 19 س 9 .