وإضافة إلى ذلك ، إن كان المصنوع ( وهو ممثّل الصانع وانموذجه ) فاسداً ناقصاً ، فلا فرق حينئذٍ بين خلوده وعدم خلوده .
لا يمكن للموجود الفاسد الناقص أن يكون أثراً ليد الصانع الحكيم ولو للحظة واحدة . فكيف يمكن القبول بإمكان وجود مصنوع فاسد في هذا العالم بعنوان فساد ونقص ، وبإمكان وجود ذلك المصنوع الفاسد في الآخرة أيضاً أيّاماً معدودات ، ثمّ نقول بأنّ خلوده ودوامه غير معقولينِ ؟ !
ورابعاً : أنّ عنوان قولهم « ما دام الله حاكماً » هو قول منتزع من الأبديّة ، لأنّ الأبديّة من صفاته سبحانه وتعالى . وبلحاظ ورود عنوان الخلود المؤبّد في القرآن الكريم بلفظ : خَالِدِينَ فِيهَا أبَداً ، فيمكن استفادة أبديّة الخلود بهذا المعنى ؛ كلّ ما في الأمر أنّ أبديّة الله قائمة بذاته ، وأبديّة خلود أصحاب الجنّة وأصحاب النار قائمة بأبديّته عزّ وجلّ . « 1 »
الآخرة هي منزل الثبوت ؛ وهي لذلك منزل الخلود .
أجل ، فأفضل دليل عقليّ على خلود أصحاب الجنّة والنار هو ما أورده هشام بن الحكم ، ومحصّله أنّه لمّا كانت الآخرة دار التجرّد ومحلّ الفعليّة التامّة ، فهي إذاً دار الخلود والدوام ، لأنّ أي ثابت ومستقرّ فهو خالد دائم ، ولأنّ التغيّر ينافي الثبوت والاستقرار ؛ وبما أنّ عدم الخلود يستلزم التغيّر والتبدّل ، فهو ممّا يتنافي في الآخرة مع فرض التجرّد والعقليّة التامّة .
وإذا لم يكن أصحاب الجنّة مخلّدين فيها ، فما الذي سيصيبهم إذاً ؟
هامش
( 1 ) - ومن هنا يمكن الردّ على أهل الظاهر الذين ملئوا الدنيا صخباً بقولهم بقِدَم هذا العالم ، وعدّهم ذلك منافياً لقدم الله عزّ وجلّ . فيقال لهم : كيف قلتم بأبديّة الزمان وخلود أصحاب الجنّة وأصحاب النار ، ثمّ أثرتم الصخبَ حول قِدم الزمان ؟ ! أوَ ليست الأزليّة والأبديّة كلاهما صفة لذات الحقّ المتعال ؟ فكيف تجيزون الأبديّة لغيره وتعدّون الأزليّة له محالة ؟ !