كيفيّة ردّ هشام على النظام بمثال بديع فأبطل إشكاله وبرهن له على أمر الخلود .
ومن جملة الإشكالات التي وردت على أمر الخلود : أنّ الإنسان يعمّر عادة فيعيش مائة سنة أو أكثر بقليل ؛ ولو فُرض أنّ شخصاً قضى جميع عمره في الكفر والشرك والظلم والفسق والفجور ، ثمّ مات ، فبأيّ علّة سيُعذّب إلى الأبد ؟ وهذا المقدار من الزمان الذي يُدعى عمراً إذا قيس مع طول الدهر ، فسيكون كالذّرة مقابل الشمس ، أو كالقطرة مقابل البحار والمحيطات . لذا ، فسيكون من الظلم إنزال هذا العقاب العظيم على جناية وخيانة استغرقت عمراً واحداً ، فضلًا عن الجناية التي لا تستغرق العمر كلّه ، أو عن الكفر أو الشرك أو الزندقة أو الظلم التي قد تبدر من المرء في أواخر عمره ، ثمّ يموت ويرتحل عن الدنيا وهو على شركه وظلمه .
الإجابة على الإشكالات الواردة على أمر الخلود .
والإجابة على ذلك : أوّلًا : على الرغم من كون مدّة عمر الإنسان قصيرة ، إلّا أنّ الله تعالى سيُطلع الإنسان في عالم البقاء على الحقيقة الملكوتيّة لأعماله بذات قدر عمر الإنسان .
وليست الأبديّة هنا بمعنى امتداد الزمان الموجود في عرض هذا العالم ، بل هي في طول هذا العالم وفي باطن النشأة . وهي عوالم متداخلة وليست في عرض بعضها ، كحبّات المسبحة المنتظمة في سلسلة واحدة . ولذلك ، فسيجد الإنسان أمامه نفس الأعمال التي فعلها خلال مدّة عمره محضرة ، وكلّ ما في الأمر أنّ تلك الأعمال تبدو في هذه العالم بلباس الفناء والانقراض من خلال دوران الزمان وحركته ، أمّا في ذلك العالم سيواجه الإنسان هذا المقدار على نحو الثبات والاستقرار أبداً . أي أنّ ذلك العالم هو فوق الزمان والزمانيّات ، وهو عالم الثابتات .
وعلى هذا فإنّ الله سبحانه عدل حكيم لا يظلم مثقال ذرّة ، ولا يجزي