تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة المعاد — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
المقدّمة الرابعة : ثمّ يعقب عالَم الموت والفناء المحض في ذات الحضرة الأحديّة سبحانه وتعالى عالم الوجود والحياة والبقاء بعد الفناء ، وهو عالم يُعبّر عنه بعالم البَقَاءِ بِاللهِ سبحانه . وفي هذا العالم تنزل النفس الناطقة من عالم اللاهوت إلى عالم الجبروت ، وتجد بالله تعالى كلّ ما امتلكته سابقاً من عقائد ومَلَكات ونوايا وصفات أعمال ؛ تجده في نفسها وتدركه بالوجدان ، وتحسّ به شهوداً وعياناً ملازماً لها وملاصقاً ، بل إنّها تشاهده بأجمعه من شؤونها وتجلّياتها . سوف يجد المؤمن إيمانه ، ويقترن المحسن بإحسانه ؛ وكذلك فسوف يجد الكافر كفره ، ويجد المسئ إساءته ممسكة بتلابيبه . وكلٌّ منهم سيخلّد مع أعماله ، لأنّ تلك الأعمال أضحت جزءاً منه ، ولأن تغيّر الشخصيّة والهويّة والماهيّة محال وغير معقول في هذا المقام . لقد كانت أعمال المرء عبارة عن آثاره المتولّدة من نفسه وظهوره وتجلّيه ومعلوله وما نشأ منه ، ولذا ستكون قرينه الذي لا ينفكّ عنه أبداً ، وهو ما يدعى بالخلود . خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ . فليس الفناء في ذات الله هنا ، وليس هذا العالم عالَم الفناء ، ولأنّ ذات الله سبحانه غير محدودة ولا متعيّنة ببقاء السماوات والأرض ، بل هذا العالم هو عالم البقاء ، المشتمل للسماوات والأرض ، والإيمان والكفر ، والضحك والبكاء ، والإحسان والعدوان ، والخير والشرّ . وستوجد جميع الكثرات في هذا العالم دون زيادة أو نقصان قيد شعرة ، لأنّها ستوجد بِاللهِ تَعَالَى ؛ أي لا يمكن للنفس الناطقة أبداً أن تشاهد نفسها في حجاب الغفلة والوهم ، أو أن تلحظ ذاتها محجوبة عن الحقّ عزّ وجلّ ، بل إنّها ثابتة دائماً بجميع جوانب هويّتها الوجوديّة