تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة المعاد — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
وستشاهد النفس الناطقة في ذلك العالم كلّ ما اكتسبته في هذا العالم ، بَيد أنّها ستجده يوم القيامة ثابتاً ومستقرّاً وحاضراً ، مع أنّها قد اكتسبته في هذا العالم بالتدريج . وهذا الأمر من لوازم اختلاف العالمينِ والنشأتينِ . إذ : اليَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابٌ ، وَغَداً حِسَابٌ وَلَا عَمَلٌ . وَمَنْ كَانَ في هَذِهِ أعْمَى فَهُوَ في الأخِرَةِ أعْمَى وَأضَلُّ سَبِيلًا . « 1 » فالدنيا - إذاً - هي محلّ الكسب والتجارة والزراعة ، أمّا الآخرة فدار جني المنافع والعوائد . المقدّمة الثانية : أنّ الآخرة هي باطن الدنيا وحقيقتها ، وأنّ الدنيا هي ظاهر عالم الآخرة . وهذان العالمان متداخلان ، إلّا أنّهما ليسا في عرض بعضهما ، بل في طول بعضهما ؛ بل هما في واقع الأمر حقيقة واحدة قد تجلّت في هيئتينِ وصورتين هما الدنيا والعقبى ؛ وهاتان الصورتان متفاوتتان بلحاظ الإدراك والتعقّل . فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ ( أيّها الإنسان ) فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ . « 2 » هذا العالم هو عالم الظاهر المبتلى بالغرور والزينة والخداع ورعاية المظاهر ، وبالحجاب والغفلة عن الله تعالى . أمّا ذلك العالم فهو عالم الباطن والحقيقة ، وعالم إزاحة الستار وظهور نور التوحيد في مظاهر عالم الإمكان . ومن هنا ، فإنّ ذلك العالم يمثّل تجسّد أعمال هذا العالم في صورتها الحقيقيّة الملكوتيّة بلا زيادة ولا نقصان . فما زرع المرء سيحصده ؛ وما فعل في هذا العالم سيجده هناك في صورته الحقيقيّة . وسيجد الإنسان
هامش
( 1 ) - الآية 72 ، من السورة 17 : الإسراء . ( 2 ) - الآية 22 ، من السورة 50 : ق .