لم يدعوا الناس إلى عبادتهم قطّ ، بل الناس هم الذين تخيّلوهم معبودين عن عمى وجهالة ، واعتقدوا أنّ فيهم شيء من الربوبيّة على الرغم من أنّ هؤلاء المعبودين كانوا يُنكرون ذلك ويحاربونه ، كالملائكة التي عدّها بعض الناس بنات للّه ، وكالنبيّ عيسى ابن مريم ، وكعزير ، اللذين طَهُرتْ أذيالُهما عن دنس دعوة الناس إلى عبادتهما ، واللذين كانا في نفور وألم وانزعاج من عبادة بعض الناس لهما ، لأنّ من مستلزمات مقام قربهما وخلوصهما ، أن لا يعدّا نفسيهما معبودينِ .
وقد ذهب الناس من تلقاء أنفسهم إلى عبادتهما وعدّهما مستقلّينِ في الأمور ، فقالت النصارى بالُوهيّة المسيح وعدّوه ولداً للّه سبحانه أو ثالث ثلاثة ؛ وقالت اليهود بأنّ عزيراً ابن للّه ؛ فعبدوهما وعكفوا على عبادتهما .
أفينبغي والحال هذه أن يُحرقا في النار كمصداق لِلْمَعْبُودِ مِنْ دُونِ الله تعالى ؟ كلّا وحاشا .
ذلك أنّ المعبوديّة لم تكن من جهتهما ، ولأنّ الناس هم الذين عدّوهما معبودينِ دون أن يكون لهما دخلًا في هذا الأمر القبيح الذي فعله القوم . فبأيّ ذنب وجريرة يُلقيان في النار ؟ !
ولذلك ، فقد أعقبت هاتين الآيتينِ من سورة الأنبياء :
لَوْ كَانَ هَؤُلآءِ ءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ ، لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ ؛ آيةٌ أخرى جاءت لإيضاح هذا المعنى ، وهي قوله تعالى : إ نَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى اولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ . « 1 »
أي أنّ عزيراً وعيسى والملائكة ونظائرهم من عباد الله الصالحين الذين أقرّ الله تعالى أمر خلوصهم وإخلاصهم وقُربهم وصواب عملهم
هامش
( 1 ) - الآية 101 ، من السورة 21 : الأنبياء .