يَا بْنَ آدَمَ ! أنَا أوْلَى بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ ، وَأنْتَ أوْلَى بِسَيِّئَاتِكَ مِنِّي !
والحقّ أنّ هذه الجملة تمثّل كتاباً في المعرفة ، وكتاباً في الفلسفة والحكمة ، وتشكّل عالماً من الشهود والعرفان نضح من معدن النبوّة . وهذه الكلمات النفيسة نفاسة الدرر هي إحدى المعجزات الباقية لأئمتنا ، وهي كلمات تعدل الجبال وزناً وعظمة وجلالة .
إنّ الشرور والسيّئات هي أمور عدميّة ، وهي تنشأ عن ماهيّات النفوس لا من أصل وجودها ، لأنّ أصل وجود النفوس خيرٌ محض ، والله سبحانه هو خالق الخير لا خالق الشرّ ، والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ .
ولو أزيل عنوان السوء من نظر العصاة القاصر ، لما اقترفوا معصية ، ولصارت جميع أعمالهم طاعة . لكنّ هذه القبائح والمساوئ تنشأ إثر الفكر الفاسد والتجرّي والذنوب ؛ أمّا مآلها فجهنّم التي تحترق فيها وتتّقد في أتُونها ، حيث تحترق جميع هذه التهم في جهنّم بما فيها من نفاق واثنينيّة وشكّ وشرك وإسناد الظلم إلى ذات الحقّ القدسيّة .
الجنّة مثوى المطهّرين ؛ والنار مثوى الأرجاس ، وسوف يزاح ستار الأوهام عن بصر من يواجه ابتلاءات الدنيا واختباراتها بالإقرار بتوحيد الحقّ تعالى ، ومن يضع قدمه على مضمار عبوديّة الحقّ بالمجاهدة والصبر والاستقامة ، فيصل إلى مقام معرفة الحقّ عزّ وجلّ معرفة شهوديّة ووجدانيّة . ولن يصبح مثل هذا الشخص مذنباً بعد ذلك ، إذ لن يكون للذنب والمعصية في شأنه من معنى .
أمّا من لم يقرّ وجداناً بوحدانيّة الحقّ تعالى ، فإنّه سيقرّ بذلك عند سكرات الموت ، أو في القبر وفي عالم البرزخ ، أو في الحشر عند الصراط أو عند الميزان أو عند العرض أو في سائر المواطن الأخرى ، على الرغم من أنّه سيهوي في جهنّم فيحترق بلظاها ، لأنّ جهنّم تجتذب هذا
معرفة المعاد — صفحة 162
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٦٢