خاضعة في حدوثها وبقائها وجميع جوانبها الوجوديّة إلى قدرة الله تعالى وسلطانه وحكومته . وأنّنا لو قلنا بأنّ الإنسان عموماً فاعل لما يشاء فيما يتعلّق بالأفعال الاختياريّة ، وأنّ الله عزّ وجلّ قد أوكل إلى عباده هذه السلسلة من الأفعال ؛ ولو أنّنا عزلنا الله تعالى في هذا الجزء من الأفعال ، وأخرجناه من دائرة حكومته في هذه الجهة ، لَكُنّا قد ظلمناه سبحانه .
إنّ مَذْهَبَ الجَبْرِ يُمَثِّلُ ظُلْمَ الله تعالى لِعَبْدِهِ ؛ كَمَا أنَّ مَذْهَبَ التَّفْوِيضِ يُجَسِّدُ ظُلْمَ العَبْدِ لِلَّهِ تَعَالَى .
ومن هنا فقد جاء نفي هذين النحوينِ من الظلم ، ونشأ مذهب أمْرٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ الذي يرتفع عن مذهب التفويض وينخفض عن مذهب الجبر ، وهو مذهب بين المذهبينِ ، ومنزلة بين المنزلتينِ ، وهو مذهب التوحيد المحض ، ومذهب التجلّي والظهور . وذلك أنّ العبد مختار ، فإن عددنا هذا الاختيار مُغايراً لاختيار الله تعالى ، للزم من ذلك التفويض ؛ وإن نفينا هذا الاختيار ، للزم من ذلك الجبر . أمّا أمْرٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ فيقول بأنّ هذا الاختيار موجود ، وهو لا ينفي هذا الاختيار من جهة ولا يجعله غير اختيار الله تعالى من جهة أخرى ، بل يعتبره اختياراً هو عين اختياره سبحانه : وَمَا تَشَاءُونَ إلَّا أن يَشَآءَ اللهُ . فليس ثمّة بينونة وانفصال للعبد عن ربّه ، بل العبد نفس ظهور الله وتجلّيه . ولذلك فليس ثمّة شيء في عالم التوحيد وعلى أساس التوحيد سوى الذات القدسيّة للحيّ القيّوم وأسمائه وصفاته وأفعاله .
العبد مختار ، واختياره خاضع لاختيار الله سبحانه ، وهو عين اختياره تعالى .
مثال للعلّامة الطباطبائيّ في نفي الجبر والتفويض
وقد ضرب استاذنا العلّامة الطباطبائيّ مدّ ظلّه مثالًا شيّقاً في هذا المجال في تعليقاته على كتاب « الكافي » قال فيه :
فلنفرض إنساناً أوتي سعة من المال والمنال والضياع والدار والعبيد والإماء ، ثمّ اختار واحداً من عبيده وزوّجه إحدى جواريه وأعطاه من الدار