تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة المعاد — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
وإذ نمضي كلام هذا الرجل الجليل في قوله بأنّ مسألة الأمر بين الأمرينِ هي من غوامض العلوم ، وإنّ غالب الفحول الأعلام قد ابتلوا بمسألة التفويض ، فإنّ لدينا كلام حول قوله بأنّ ما هو مغروس في الأذهان هو مسألة « لا جبر ولا تفويض » أي : الأمر بين الأمرينِ . ويتلخّص كلامنا بما يلي : أيمكن الاكتفاء بما هو مغروس في الأذهان ، أم أنّ على المؤمن الملتزم أن يعمد من خلال البحث والسعي الحثيث إلى كشف الستار عن الحقيقة ، وأن يضع إيمانه على أساس عقيدة التوحيد الخالصة على وجه التفصيل لا الإجمال ؟ وبعبارة أخرى ، فكما أنّ التوحيد الفطريّ موجود لدى جميع أفراد البشر ، حتّى أنّ اليهود والنصارى والمشركين والمادّيّين يجدون في قرارة أنفسهم أمر التوحيد فطريّاً وجبلّة ، ويحسّون بنزعة إلى الذات الواحدة للحيّ القيّوم العليم الحكيم القدير الأزليّ الأبديّ ، بَيدَ أنّ هذا التوحيد الفطريّ أو التوحيد الذهنيّ المغروس في الخواطر لا يكفي بدون حصول الانكشافات الخارجيّة ، وبدون التعقّل وإعمال الإدراك وشهود الوجدان ، وأنّ على جميع الناس أن يتنزّلوا عن الفطرة إلى العقل والحسّ ، فيجهدوا أنفسهم في أمر التوحيد من أجل أن يدركوا الله الواحد ويحسّونه وجداناً ، ويطهّروا أسرار ذواتهم من خلال إسلامهم واتّباعهم لرسول الله وللقرآن المقدّس ، ومن خلال اتّباع الأحكام العباديّة ، وصولًا إلى مقام التوحيد التفصيليّ ؛ فإنّ الغرس الإجماليّ في الأذهان لأمْرٍ بَيْنَ الأمْرَيْنِ لا يكفي صاحبه شيئاً ، لأنّنا نعلم بأنّ عمل الناس من الخاصّة والعامّة قائم على أساس الشرك القلبيّ الخفيّ ، على الرغم من قولهم بالتوحيد وعدم إذعانهم في الظاهر بهذا الشرك .