إنّ الشرك لا يعني نفي الالوهيّة وتأثير ذات الله القدسيّة ، بل هو جعل شريك للّه يشاركه في أفعاله ، واعتبار أنّ تلك الأفعال تحصل بيده تعالى وبِيَدِ غيره ، ولذا فهو مخالف للصواب ، سيّان في الأمر أن يُجعل للّه شريك فيعتبر مستقلًّا في تأثيره في الأمور المهمّة وغير المهمّة ، أو أن يكون ذلك الشريك هو اختيار الإنسان ، أم مَلَكاً سماويّاً أم شيطاناً أرضيّاً .
وإذا اعتُبر اختيار الإنسان غير مستقلّ في التأثير ، وعُدّ خاضعاً لاختيار الله تعالى ومشيئته ، لجسّد ذلك عين التوحيد ولا شيء سوى التوحيد . بل إنّ اختيار العباد هو عين اختيار الحقّ سبحانه وتعالى . وينبغي ألّا نعدّ هذا المعنى مستلزماً للجبر ، ثمّ نقول - فراراً من الجبر - بأنّنا نمتلك اختياراً مستقلًّا ، وإنّ الله تعالى لمّا كان يعلم بعلم الغيب عند خلقه للعبد أنّه سيعتبر اختياره مستقلًّا ، فقد عاقبه على هذا الاختيار الاستقلاليّ بالطبع على قلبه ؛ لأنّ مثل هذه المقولة ليست إلّا كلاماً معكوساً .
إنّ الله تعالى ليس ضعيفاً بائساً ، لنضع أنفسنا محامين دفاع له ، ولنحاول - من خلال المعارف الإلهيّة التي أسأنا فهمها - أن نتكلّم في صالحه بمثل هذه التأويلات الواهية والتعبيرات الركيكة التي لا أساس لها ، ونحسب أنّنا ندافع بذلك عن الدين ؛ ولنحاول والعياذ بالله تزويق الفساد الذي طرأ على المعارف المتينة المبرهنة نتيجة سوء فهمنا ، إرضاءً لأفكار العامّة وجهّال الناس ، فنكون قد خطونا في مسيرة الشرك بتناغمنا مع هذه الأفكار وفق رغبة العوام الذين يبحثون عن صنم ينحتونه ليعبدوه ، كقوم موسى الذين اشتهوا في غيبته عجلًا يعكفون على عبادته .
إنّ الله عزّ وجلّ عزيز ، والمعارف الإلهيّة متينة وراسخة . وتوحيد ذات الله تعالى يسطع على الدوام كالشمس الوهّاجة المنيرة . ونورد في هذا المجال عدّة روايات من « أصول الكافي » ثمّ نشرع في بيان بحث مختصر
معرفة المعاد — صفحة 154
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٥٤