تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة المعاد — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
أمْرٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ كما هو المرويّ عن أئمّتنا حتّى يعتقدوا به ، فإنّه من غوامض العلوم ، بل من الأسرار التي لا يصل إلى حقيقتها إلّا الأوحديّ من الناس الذي هداه الله إلى ذلك . ألا ترى أنّك إذا أمعنتَ النظر ، لوجدتَ أكثر من تصدّى من أصحابنا لإبطال المذهبينِ لم يقدر على التخطّي عن مرتبة التفويض وإن أنكره باللسان ، حيث زعم أنّ منشأ عدم استقلال العبد في أفعاله ، كونها صادرة منه بواسطة أنّ الله تعالى أقدره عليها وهيّأ له أسبابها ، مع أنّه لا يظنّ بأحدٍ ممّن يقول بالتفويض إنكار ذلك . والحاصل أنّ هذا المعنى بحسب الظاهر عين القول بالتفويض ، مع أنّ عامّة الناس تقصر أفهامهم عن أن يتعقّلوا مرتبة فوق هذه المرتبة لا تنتهي إلى مرتبة الجبر . لكنّ هذا في مقام التصوّر التفصيليّ ، وإلّا فلا يبعد أن يكون ما هو المغروس في أذهان عامّة أصحابنا خواصّهم وعوامهم مرتبة فوق هذه المرتبة ، فانّهم لم يزالوا يربطون المكوّنات بأسرها من أفعال العباد وغيرها في حدوثها وبقائها بمشيئة الله تعالى وقدرته ، من غير أن يعزلوا عللها عن التأثير حتّى يلزم منه - بالنسبة إلى أفعال العباد - الجبر ، أو يلتزموا بكون المشيئة من أجزاء عللها حتّى يلزمه الإشراك والوهن في سلطان الله تعالى . وهذا المعنى وإن صعب تصوّره والإذعان به لدى الالتفات التفصيليّ لما فيه من المناقضة الظاهرة لدى العقول القاصرة ، لكنّه إجمالًا مغروس في الأذهان ومآله على الظاهر إلى الالتزام بالأمْرِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ بالنسبة إلى معلولات جميع العلل من أفعال العباد وغيرها . وكيف كان فلا ينبغي الارتياب في أنّه ليس شيء من مثل هذه العقائد - التي ربّما يعجز الفحول عن إبطالها مع مساعدة بعض ظواهر الكتاب والسنّة عليها - إنكاراً للضروريّ والله العالم [ . انتهى كلام الفقيه آية الله الهمدانيّ قدّس الله سرّه .
معرفة المعاد — صفحة 151 | السيد محمد حسين الطهراني / عبد الرحيم مبارك