وحاصل القول أنّ الإسلام لا يريد منّا نفي الشرك الجليّ وعبادة الأصنام الخارجيّة فحسب ، فهذا هو واجب العوامّ والمستضعفين ؛ بل ينتظر من المسلمين والمؤمنين أن يخطوا إلى الامام في مسيرة التوحيد خطوة فخطوة ، فينفوا كلّ مؤثّر جزئيّ أو كلّيّ عن مقام ذات الحضرة الأحديّة ، ويعدّوا الله تعالى المنشأ الأوحد للأثر في عالم الوجود ذاتاً وصفة وفعلًا .
أفلا تدعونا كلّ هذه الآيات القرآنيّة إلى الكمال ؟ ألا تدعونا هذه السنّة السنيّة ، وهذا المنهاج ، وهذه الروايات الواضحة المبرهنة من قِبل المعصومين إلى هجر الشرك الخفيّ ، وإلى الدخول في الإسلام الأكبر والإيمان الأكبر ؟ وما الذي يعنيه الجهاد الأكبر والهجرة الكبرى إذاً ؟ أيكفي المرء أن يقول جملة لَا إلَهَ إلَّا الله ، كما تقول بعض العجائز ، ثمّ ينتهي الأمر ؟
إنّ هذه العبادات ، وهذه المجاهدات ، وهذه الدائرة الطويلة العريضة للتشريع إنّما تستهدف بأسرها كشف نور التوحيد ؛ فلا ينبغي الاكتفاء بما هو مغروس في الأذهان . وسيأتي لاحقاً تفصيل معنى التفويض ، الذي يعتبر ذات المرء واختياره وكذا سائر الأسباب الأخرى مؤثّرة في الخارج تأثيراً مستقلًّا .
أجل ، فربّما لم يكن قصد ذلك العَلَم الجليل إمكان الاكتفاء بما هو مغروس في الأذهان ، وربّما كان في صدد إثبات أنّ هذه العقائد لا تستلزم إنكار الضروريّ ، وأنّه أراد أن يختم المطلب بلحاظ الطهارة التي تمثّل مسألة فقهيّة .
وعموماً ، فإنّ روح المسألة تتمثّل في أنّنا إذا أردنا اعتبار العبد مستقلًّا في أعماله ولو قدر ذرّة واحدة ، وإذا عددنا له اختياراً مستقلًّا ، فسنكون قد عزلنا الله تعالى عن دائرة فعله ؛ وليس الشرك شيئاً غير هذا .
معرفة المعاد — صفحة 153
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٥٣