القيّوم ذي الجلال والإكرام من أحد سوى وجوده هو ، بل ويصل به الأمر إلى إنكار الحقّ وجحوده والاستهزاء برسله ، وإذا ما طرق سمعه قول الحقّ أعرض واستكبر ونأى بجانبه ؛ يقول تعالى في مؤاخذة اليهود الذين كانوا يتمرّدون على أوامر الأنبياء :
أفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولُ بِمَا لَا تَهْوَى أنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ . « 1 »
وقد ورد أنّ الكفّار يُخاطَبون يوم القيامة : وَأمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ ءَايَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ . « 2 »
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِايَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَآ اولَئِكَ أصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ . « 3 »
فَأمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللهَ الذي خَلَقَهُمْ هُوَ أشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِايَاتِنَا يَجْحَدُونَ . « 4 »
وَقَالَ موسى ( حين أراد فرعون قتله ) إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ . « 5 »
كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ ، الَّذِينَ يُجَادِلُونَ في ءَايَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللهِ وَعِندَ الَّذِينَ ءَامَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ على كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ . « 6 »
هامش
( 1 ) - الآية 87 ، من السورة 2 : البقرة .
( 2 ) - الآية 31 ، من السورة 45 : الجاثية .
( 3 ) - الآية 36 ، من السورة 7 : الأعراف .
( 4 ) - الآية 15 ، من السورة 41 : فصّلت .
( 5 ) - الآية 27 ، من السورة 40 : غافر .
( 6 ) - الآية 34 والآية 35 ، من السورة 40 : غافر . وقد وردت هاتان الآيتان بعد قوله تعالى ( في النصف الأوّل من الآية 34 ) : وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَازِلْتُمْ في شَكٍّ ممَّا جَاءَكُم بِهِ حتّى إذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا .
وينبغي الالتفات إلى أنّ لفظ « كلّ » في الآية الشريفة مقدّم على لفظ « قلب » وليس مؤخّراً عنه ، وأنّ لفظ الآية قد كان « على كلّ قلب متكبّر » وليس « على قلب كلّ متكبّر » . ولو تأخّر لفظ « كلّ » ، لصار معناه أنّ الله تعالى يختم على قلب جميع الأفراد المتكبّرين ، لكنّ الآية ستبقى مبهمة ، إذ لن يكون معلوماً مدى شمول هذا الختم لجميع أقسام قلب كلّ متكبّر ، فقد يشمل الختم بعض أقسام القلب دون بعضها الآخر . أمّا الآية - وقد ورد لفظ « كلّ » مقدّم على لفظ « قلب » - فتُبيّن ما لا يتبيّن بتأخير ذلك اللفظ . ولهذه النكتة الدقيقة قُدّم لفظ « كلّ » ، حيث ستكون الآية أشمل وأعمّ بلحاظ أجزاء الموضوع .