الشيطان ويصدّهم عن الورود في حرم الله الذي هو محلّ الخلوص .
ولولا الشيطان ، لما وُجد عالم النزول والطبع ، ولما وُجد كلّ هذا الاختلاف ؛ فقد كان الشيطان سبب نزول آدم إلى هذا العالم ، وكان من قبل في الجنّة ، وهي جنّة عالم الذرّ وجنّة القابليّة ، وكان الإنسان في تلك الجنّة غير قابل للتكامل والرقيّ ، شأنه في ذلك شأن الملائكة . ثمّ إنّ الشيطان تسبب في هبوط آدم إلى هذا العالم ، وفي حركته ومجاهدته ونشدانه للحقّ ، وسعيه لتدارك ما فات ، حتّى ارتقى في نهاية المطاف بقدم المجاهدة من أسْفَلِ السَّافِلِينَ ، فوصل بإرادة الحيّ القيّوم إلى أعلى عِليِّينَ ، وأضحى أشرف من الملائكة ، واكتسب جميع هذه الفضائل والدرجات .
وجميع هذه الأمور هي من فوائد خلق الشيطان ، وقد تحقّقت إثر ذلك الخلق ، على الرغم من أنّ الشيطان ملعون رجيم باعتبار كونه حجاباً ؛ لأنّ من مستلزمات مثل هذا الحجاب الذي يحجب ويبعّد ، أن يكون منفوراً ملعوناً .
بَيدَ أنّ علينا أن لا ننسى المصلحة في خلق الشيطان ، وأن لا نعدّه مخلوقاً مستقلًّا عن حكومة الحقّ تعالى ، ولا نتوهّم أنّه فعّالٌ لما يشاء في أعماله ، لأنّ هذا التصوّر هو عين الشرك ، وهو تصوّر لضعف سلطان الحضرة الربوبيّة .
لقد خلق الله تعالى الإنسان مريداً مختاراً ؛ ومن لوازم هذا الاختيار أن يتمكّن من اختيار الأعمال الحسنة أو السيّئة ؛ أمّا تسلّط الشيطان وإغواؤه فيحصلان بالدعوة إلى القبائح والترغيب فيها ، وذلك من أجل أن يمتاز الإنسان المجاهد الذي لا يتزلزل ، فيصل إلى مقام الكمال والفعليّة ؛ فيمتاز - في المقابل - الإنسان المنقاد خلف الهوى والهوس ؛ لِيَهْلِكَ مَنْ
معرفة المعاد — صفحة 127
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٢٧