جميع عالم الوجود بأرجائه وسعته ، من المُلك والملكوت وعالم الأرواح والعقول والطبيعة إنّما يمثّل تجلّيات الحقّ سبحانه وتعالى وظهوراته التي أوجدها من كَتم العدم والفناء المحض ، وخلع عليها رداء الوجود ، فصار لكلّ واحد من هذه المخلوقات - في حال كونه عين ظهور الحقّ وتجلّيه - مرتبة خاصّة ودرجة وماهيّة يمتاز بها عمّن سواه .
فللإنسان - مثلًا - حدود معيّنة أهّلته لأن يكون إنساناً ، فهو يختصّ بالعقل والشعور والنفس الناطقة وغرائزه المميّزة التي امتاز بها عن غيره من سائر الموجودات من الحيوان والجماد والنبات والعقول المفارقة والأرواح المجرّدة القدسيّة ، ولولا هذه الخصوصيّة لما كان الإنسان إنساناً .
وكذا الأمر بالنسبة إلى سائر الموجودات التي لولا خصائصها الوجوديّة ، لما كان لها من وجود معيّن ، ولطبّق الكون وجودٌ واحد بحت بسيط ، لا تشخّص فيه ولا تميّز .
وهذه الماهيّات المختلفة التي تحدّد المراتب الوجوديّة للموجودات هي سبب امتياز الموجودات عن بعضها وظهور تجلّي الحقّ تعالى ؛ وكلُّ من هذه الماهيّات مطيع ومنقاد في مقامه ومرتبته ، وساكن ضمن الحدّ المعيّن لوجوده وفقاً للأمر التكوينيّ للحقّ سبحانه وتعالى ؛ وهي بأسرها ثابتة في ذواتها ووجوداتها وفي حجب ماهيّاتها .
بَيدَ أنّ أفراد البشر والجانّ من بين جميع المخلوقات يمتلكون - بالإضافة إلى ماهيّتهم وامتيازهم الوجوديّ - خصوصيّة تميّزهم عن باقي المخلوقات ، وهي حسّ النزعة الاستقلاليّة والاستكبار ونزعة ال - « أنا » التي توجد لدى أفراد البشر بدرجة أكبر ، ولدى أفراد الجانّ بدرجة أضعف . وهذا الحسّ يجعل الإنسان يرى نفسه أعلى وأفضل وأكرم ممّا هي عليه ، ويجعله ينسب إلى نفسه أفضل الصفات وأعلاها ، كالعلم والقدرة والحياة
معرفة المعاد — صفحة 125
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٢٥