تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة المعاد — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
التي تحصل للسالكين المتوسّطين خلال الأحوال المختلفة ، فتثير فيهم الوجد والالتفات . أمّا تصفية العسل فعبارة عن عدم تكدر تلك العلوم بالموادّ الشمعيّة التي قد تحصل من تسويلات النفس . ثمّ إنّ السالك يتعرّض لتجلّيات الجمال وعشق الذات ، فينسى نفسه ويمّحي في أنوار الله تعالى . ولمّا كان تجلّي الجلال يطهّر السالك من جميع التعلّقات الدنيويّة من التعيّن والمال وحبّ الجاه والوجود ، فقد دُعي لذلك بالشراب الطهور ، وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً ؛ « 1 » لأنّ الطهور لا يعني الطاهر فحسب ، بل هو أيضاً بمعنى المطهّر . وهذه العلوم والمعارف الجلاليّة تحرق السالك وتُفنيه أمام عظمة الحقّ وقهّاريّته وكبريائه . وقد عبّر حافظ الشيرازيّ عنه بالشراب المرّ ، في قوله : شراب تلخ مىخواهم كه مرد افكن بود زورش كه تا يكدم بياسايم ز دنيا وشر وشورش « 2 » وهذه الجذبات الجلاليّة الثمينة هي التي تحقّق ثمرة قضاء العمر في السلوك ، ألا وهي نيل مقام الفناء في الله تعالى ، حيث ورد : جَذْبَةٌ مِنْ جَذَبَاتِ الحَقِّ تُوَازِي عِبَادَةَ الثَّقَلَيْنِ . « 3 »
هامش
( 1 ) - الآية 21 ، من السورة 76 : الدهر . ( 2 ) - « ديوان حافظ » ص 125 ، طبعة پژمان ، سنة 1318 . يقول : « أبغي شراباً مُرّاً يطوّح بالرجل ، لأرتاح هُنيهة من شرّ الدنيا وشرورها » . ( 3 ) - تكرّرت هذه الجملة في كتب أصحاب السلوك . وقد أوردها الشيخ نجم الدين الرازيّ في كتاب « مرصاد العباد » ، في الصفحات 212 ، 225 ، 369 ، 511 ؛ وفي كتاب « عشق وعقل » ( العشق والعقل ) ص 64 . وقد نقل المعلّق والمصحّح والشارح للكتاب في ص 109 و 110 عن مصحّح كتاب « فيه ما فيه » مثنوي أنّ هذه الجملة من كلام أبي القاسم إبراهيم بن محمّد النصرآباديّ . وقد أوردها جامي في ترجمة إبراهيم بن الأدهم باختلاف يسير : جذبة من جذبات الحقّ تربى عمل الثقلين وقد أورد أبو سعيد أبو الخير هذه العبارة بلفظ الشيخ باختلاف يسير ( « أسرار التوحيد » ص 247 ، طبعة طهران ) . وقال مولانا جلال الدين في « مثنوي » :اين چنين سيرى است مستثنى ز جنس * كان فزود از اجتهاد جن وانس اين چنين جذبى است نى هر جذب عام * كه نهادش فضل احمد والسلاميقول : « إنّ مثل هذا السير والسلوك مستثنى من الجنس ، لأنّه يفوق اجتهاد الجنّ والإنس . وهذا الجذب لا يشبه عموم الجذب ، لأنّ أساسه فضل أحمد ، والسلام » .