ذَاتَ الشِّمَالَ ، فَانَادِي : يَا رَبِّ أصْحَابِي ، أصْحَابِي ! فَيُقَالُ : إنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أحْدَثُوا بَعْدَكَ . « 1 »
أجل ، فالروايات الواردة ، عن طريقي الشيعة والعامّة ، كثيرة في اختصاص حوض الكوثر بأمير المؤمنين عليه السلام ، وتفيد بأجمعها على أنّ شيعة أمير المؤمنين ومحبّيه يشربون من حوض الكوثر ، وأنّ المنافقين وأعداء أهل البيت يُذادون عنه ، وأنّ من شرب من حوض الكوثر ارتوى ولم يظمأ أبداً ، ومن ارتمس فيه طَهُر وابيضّ وجهه واكتسب قلبه جلاءً وصفاءً ، لأنّ جنس ذلك الماء طاهر مطهّر . أمّا من يُذاد عنه فإنّ وجهه يسودّ ، وبدنه سيكون مدنّساً تخرج منه الروائح الكريهة العفنة ، وسيبقى كبده ظمآناً لاهباً .
وإجمالًا ، فإنّ الواردين على حوض الكوثر هم المرتبطون بالولاية ، كما أنّ المذودين عنه هم غير المرتبطين بتلك الولاية .
ونرى الآن حقيقة ذلك الحوض وماهيّة ذلك الماء اللتين يُترقّب من خلالهما هذه الآثار والخواصّ ، ويُشاهد فيهما هذه الأمور الخاصّة .
حقيقة الكوثر هي العلم المقترن بالعمل
لقد علمنا في الأبحاث السابقة أنّ الآخرة تمثّل ظهوراً لعالم الدنيا ، بحيث تتجلّى في صورها الملكوتيّة والحقيقيّة . وأنّ الماء هو العلّة في حياة كلّ حيّ ، لقوله تعالى : وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيّ . « 2 »
كما ورد عن رسول الله صلّى الله عليه وآله : أوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ المَاءُ . « 3 »
هامش
( 1 ) - « عقائد الصدوق » ص 85 .
( 2 ) - الآية 30 ، من السورة 21 : الأنبياء .
( 3 ) - ورد هذا المعنى في الروايات بمضامين مختلفة ، منها : أوّل ما خلق الله الماء ، أو القلم ، أو اللوح ، أو العقل ، أو النور . ويقول مؤلّف « مرصاد العباد » ص 46 و 52 : أوّل ما خلق الله العقل . ويقول في ص 52 : أوّل ما خلق الله القلم . ويقول في ص 37 و 133 و 159 : أوّل ما خلق الله روحي .
أمّا استاذنا العلّامة الطباطبائيّ مدّ ظلّه العالي فيرى أنّ الأقوى والأكثر صراحة في جميع هذه الروايات هو كلام رسول الله لجابر : أوّل ما خلق الله نور نبيّك يا جابر . ( « بحار الأنوار » ج 15 ، ص 24 ) .