ذلك أنّ حمد باقي الخلائق يقترن بالتسبيح والتنزيه والتقديس ، أمّا العباد المخلَصون الذين تخطّوا جميع شوائب الغرور والعُجب والأنانيّة ، وعلموا أنّ وجودهم ملك مطلق للحضرة الأحديّة ، والذين أفنوا وجودهم ودكّوه في ذات الله القدسيّة ، فلم يعودوا يرون لأنفسهم وجوداً مقابل وجوده عزّ وجلّ ، والذين اكتسبت وجوداتهم سعة وجوده تعالى ، فإنّهم هم الذين يحمدونه سبحانه كما يليق بشأنه .
لكنّ درجة المخلَصين هذه التي حازها الأنبياء وكثير من أولياء الله الذين بلغوا درجة الخلوص ، تمثّل نهاية السفر الأوّل من الأسفار الأربعة إلى الله تعالى ، وهو سفر غايته الله تعالى ، كما أنّه ليس سفراً لا متناهياً .
أمّا المقام المحمود فهو مقام آخر أعلى من هذا المقام وأسمى ، وهو عبارة عن إكمال الأسفار الأربعة ، وإكمال السفر الرابع وهو السفر في الخلق بالحقّ ، حيث إنّ السالك يرى آنذاك الله تعالى في كلّ موجود من الموجودات ، ويسير في عالم الكثرات بنور الله عزّ وجلّ .
بَيدَ أنّ البقاء بالله ليس على درجة واحدة لدى جميع الأفراد ، فالبعض يمتلك هذا البقاء محدوداً في محيط وجوده وضمن دائرة أفكاره وآرائه وعلومه ، ثمّ يزداد الأمر لدى الأفراد ، حتّى نصل إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله ، فنلحظ أنّه كان مع كلّ موجود ، أي أنّه كان مع جميع ما سوى الله من عالم المُلك والملكوت ، من العقول والأرواح والنفوس العلويّة والسفليّة وموجودات عالم الصورة وعالم الطبع ، بل كان حقيقة تلك الموجودات أوّلًا وبالذات ، ثمّ طرأ الوجود على تلك الموجودات ثانياً وبالعرض . وهذا هو المقام المحمود .
وقد سبق أن نوّهنا بأنّ هذا المقام هو مقام يرجع إليه كلّ حمد من كلّ حامد موجّه إلى كلّ محمود . أي أنّنا لو شممنا وردةً فحمدناها ، فإنّ حقيقة
معرفة المعاد — صفحة 262
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص٢٦٢