تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة المعاد — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
وتبيّن الآية الأخيرة أنّ ما خلق الله تعالى لأصحاب الجنة يفوق مشيئتهم ، إذ إنّ مشيئة الإنسان تتعلّق بما يخطر على قلبه من أمور الخير والسعادة . كما ويستفاد من الآية أنّ في الجنّة أموراً لم تخطر على قلب بشر ، وأشياءً أعلى ذروةً من أن تنالها خطرات فكر الإنسان وهواجسه : فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا اخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أعْيُنٍ . « 1 » وإذا تقرّر أن يمنّ الله على المؤمنين من أصحاب العمل الصالح بهذه الأمور التي تفوق الحدّ والتقدير ، فلا ريب أنّ ما سيمنحه لرسوله الكريم في مقام الامتنان سيكون أسمى وأعظم وأوسع من ذلك ، وهذا هو شأن عطاء الحقّ جلّ وعزّ . أمّا شأن رضا رسول الله صلّى الله عليه وآله ، فنحن نعلم بأنّه ليس رضا بأمر الله ومقدّراته وبما قسمه الله له ، لأنّ مثل هذا الرضا القائم على أساس مالكيّة الحقّ وغناه المطلق هو ممّا لا بدّ للعبد الخاضع للحقّ أن يتحلّى به ، لأنّ العبد لا يملك أمام ذلك الغني إلّا الفقر والفاقة ، فينبغي على النبيّ إذاً أن يرضى بما يعطيه ربّه ، سواءً قلّ ذلك العطاء أم كثر ؛ وعليه أن يرضى بما قدّر له الله تعالى ، سواءً أوجب ذلك سروره أم حزنه . بل إنّ الرضا المذكور ، باعتبار وقوعه مقابل عطاء الحقّ تعالى ، يفيد معنى آخر نظير رضا الفقير بما يزيل فقره ، ورضا الجائع بما يسدّ جوعه ، وذلك هو الرضا بعطاء الحقّ تعالى دونما تحديد .

استنباط الشفاعة الكبرى من سورة البيّنة

وقد وعد الله تعالى طائفة من عباده بعطاء يماثل هذا العطاء ، كما جاء في قوله تعالى : إنّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ اولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ،
هامش
( 1 ) - الآية 17 ، من السورة 32 : السجدة .