وقد مرّ خلال بحثنا في هذه الآيات أنّها تتحدّث بلسان طائفة يقول أفرادها : لقد كنّا كذا وكذا ، ولقد فعلنا كذا وكذا ؛ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ .
وهذه الآيات تتحدّث عن أوصاف المشمولين بالشفاعة وأوصاف المحرومين منها . ونقول الآن بأنّ الآيات المذكورة تدلّ - مضافاً إلى دلالتها على أصل الشفاعة - على أنّ شفاعة الشافعين نافعة في فكاك النفوس من الارتهان ، وفي نجاتها من الخلود في جهنّم ؛ أمّا سائر أهوال يوم القيامة ومشقات البرزخ ومخاوفه ، فباقية في مواضعها ، ولا دليل لدينا على تحقّق الشفاعة في شأنها .
ويمكننا أن نقول إنّ هذه الآيات تفيد انحصار الشفاعة في أمر الاستخلاص من رهن جهنّم ، كما يمكن الاستفادة منها على أنّ المحاورات بين أصحاب الجنّة وأصحاب النار إنّما تجري بعد استقرار أصحاب الجنّة فيها واستقرار أصحاب النار فيها ، وأنّها تحصل بعد تحقّق الشفاعة في حقّ طائفة من المجرمين وإخراجهم بواسطتها من النار . وذلك لعدّة أمور :
أولًا : قوله : في جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ ؛ الدالّ على الاستقرار في الجنّات .
ثانياً : قوله : مَا سَلَكَكُمْ في سَقَرَ ؛ لأنّ السلوك لا يُطلق على مطلق الدخول ، بل على نوع من الدخول المنظّم لطائفة وجماعة .
وثالثاً : قوله : فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ؛ وكلمة « ما » نافية للحال ؛ يعني أنّ شفاعة الشافعين لن تنفعهم في حالهم تلك .
ورد في « تفسير عليّ بن إبراهيم » في ذيل قوله تعالى : وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخُ هُوَ أمْرٌ بَيْنَ أمْرِينِ ، وَهُوَ الثَّوَابُ وَالعِقَابُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ . وَهُوَ رَدٌّ عَلَى مَنْ أنْكَرَ عَذَابَ القَبْرِ وَالثَّوَابَ وَالعِقَابَ قَبْلَ القِيَامَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ الصَّادِقِ عَلَيْهِالسَّلَامُ :
معرفة المعاد — صفحة 232
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص٢٣٢