وثانيهما : تأثير الشفاعة في جميع أنواع العقاب وأوقاته ، بأن تقلعه من أصله تماماً .
فلو قيل - مثلًا - بأنّ جميع طبقات الناس ، أو الطائفة الفلانيّة منهم لا يُعاقبون على ما أجرموا ، ولا يؤاخذون فيما أذنبوا أبدا ؛ أو قيل بأنّ الذنب الفلانيّ لا عذاب عليه قطّ ، كان ذلك باطلًا من القول ولعباً بالأحكام والتكاليف المتوجّهة إلى المكلّفين .
أمّا إذا ابهم أمر الشفاعة من حيث الشرطينِ ، فلم يعيّن أنّ الشفاعة في أي الذنوب وفي حقّ أي المذنبين ، أو أنّ العقاب المرفوع هو جميع العقوبات وفي جميع الأوقات والأحوال ، فلا يعلم المرء هل ينال الشفاعة الموعودة أو لا ، فلن يكون هناك تجرٍّ على هتك محارم الله تعالى .
غير أنّ ذلك الوعد بالشفاعة يوقظ قريحة رجاء نفس المذنب وأملها ، فلا يجعل مشاهدتها ذنوبها وآثامها التي اقترفتها قنوطاً من رحمة الله ، ويأساً من رَوح الله تعالى .
ومن الجليّ أنّ اليأس هو منشأ جميع أنواع الشقاء والتعاسة ، وأنّ الرجاء منبع أنواع السعادة والنشاط والحيويّة .
وبغضّ النظر عن ذلك ، فإنّ الله تعالى وعد بمغفرة الصغائر في قوله عزّ من قائل : إن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّر عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ، « 1 » الدّال بصراحة على رفع عقاب السيّئات والمعاصي الصغيرة على تقدير اجتناب المعاصي الكبيرة . فإذا جاز أن يقول الله سبحانه : إن اتّقيتم الكبائر عفونا عن صغائركم ؛ فلما ذا لا يجوز أن يقول : إن تحفّظتم على إيمانكم ، فجئتموني يوم القيامة بإيمان سليم ، قبلتُ فيكم شفاعةَ الشافعين ؟ !
هامش
( 1 ) - الآية 31 ، من السورة 4 : النساء .