فأين المغايرة والتضادّ في ذلك . إنّ كلا الحكمينِ صحيح ، وكلاهما صادق في موضوعه ومحلّه .
الإشكال الثاني : أنّ سنّة الله جرت على صون أفعاله من التخلّف والاختلاف ، فما قضى وحكم به يجريه على وتيرة واحدة من غير استثناء وعلى هذا جرت سُنّة الأسباب .
قال تعالى : إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ، وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أجْمَعِينَ . « 1 »
وقال تعالى : وَأنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبَعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ . « 2 »
وقال تعالى : فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلًا . « 3 »
وتحقّق الشفاعة موجب للاختلاف في سنّة الله تعالى ، لأنّ رفع العقاب بالشفاعة عن جميع المجرمين موجب لنقض الغرض ، ونقض الغرض محال ، وهو لعب يُنافي حكمة الله تعالى ، ورفعه عن بعض المجرمين أو في بعض جرائمهم أو ذنوبهم موجب للاختلاف في فعل الله ، ومستلزم لتغيير سُنّته الجارية وطريقته الدائمة ، إذ لا فرق بين المجرمين في أنّ كلّ واحد منهم مجرم ، ولا بين الذنوب في أنّ كلًّا منهم ذنب وخروج عن نهج العبوديّة . فتخصيص بعضهم أو بعض ذنوبهم بالشفاعة والصفح محال . وإنّما تجري سنّة الشفاعة وما يماثلها في هذه الحياة من ابتناء
هامش
( 1 ) - الآية 43 ، من السورة 15 : الحجر .
( 2 ) - الآية 153 ، من السورة 6 : الأنعام .
( 3 ) - الآية 43 ، من السورة 35 : فاطر .