الإشكالات والردود عليها :
الإشكالات الواردة على الشفاعة والردّ عليها
الإشكال الأوّل : أنّ رفع العقاب عن المجرم يوم القيامة بعد ما أثبته الله تعالى بالوعيد ، إمّا أن يكون عدلًا أو ظلماً . فإن كان عدلًا ، كان أصل الحكم المستتبع للعقاب ظلماً لا يليق بساحة قدس الحضرة الأحديّة . وإن كان ظلماً ، كانت شفاعة الأنبياء - مثلًا - سؤالًا للظلم من الله تعالى ، وهو جهل لا يجوز نسبته إلى ساحة الأنبياء صلوات الله عليهم .
والجواب على هذا الإشكال بالنقض والحلّ . فأمّا بالنقض فإنّه منقوض بالأوامر الامتحانيّة التي يكون فيها إثبات الحكم الامتحانيّ أوّلًا ورفعه ثانياً كلاهما من العدل وكلاهما صحيح ، لأنّ الحكمة في ذلك تتمثّل في اختبار سريرة المكلّف وإظهار نيّته ، أو إخراج ما في قوّته إلى الفعل .
ونقول أيضاً في مورد الشفاعة بأنّ من الممكن أن تكون النجاة مكتوبة لجميع المؤمنين ، ثمّ توضع الأحكام وما لمخالفتها من أنواع العقاب ، ليهلك الكافرون بكفرهم ، وأمّا المؤمنون فيرتفع بالطاعة درجات المحسنين منهم ، ويبقى المسيئون فينالون بالشفاعة تلك النجاة الغائيّة والسعادة النهائيّة ولو بالنسبة إلى بعض أنواع العذاب ، مع مقاساة عذاب البعض الآخر كأحوال البرزخ وأهوال يوم القيامة ، فيكون بذلك أصل وضع الحكم وعقابه أوّلًا عدلًا ، ورفع عقابه ثانياً عدلًا .
وأمّا الجواب بالحلّ ، فإنّ رفع العقاب بواسطة الشفاعة - كما ذكرنا - لا ينافي الحكم الأوّل ليستلزم العدل أو الظلم ، إذ إنّ تضادّ وتزاحم حكم العفو مع حكم العقاب إنّما يحصل عند مغايرتهما لبعضهما . أمّا حكم الشفاعة والعفو الذي يتبعها ، فله حكومته على الحكم الأوّل . أي أنّه يخرج المجرم عن كونه مصداقاً لشمول العقاب بجعله مصداقاً لحكمٍ آخر مثل رحمة الله وعفوه وغفرانه وإكرامه مقام الشافع بالإكرام والإعظام .