وفي المقابل ، فالعمل الحسن الصادر من الشخص الرديء ذي الفطرة الخبيثة والباطن السيّئ والإيمان الفاسد والوجدان المتزعزع أشبه بالرماد الأبيض البارد ذي اللون الجميل ، حين يعلو الجمر المتّقد إثر تموّج الهواء ، أمّا حقيقة النار فتبقى ناراً محرقة . وسرعان ما يتطاير الرماد بأيسر هبّة نسيم ، فتتجلّى تلك النار في حقيقتها المحرقة التي تشعل البيت وتهدم الملجأ والمأوى .
فهل على المرء أن يخاف من الزَّبَد الذي يعلو الماء ؟ وهل يُسَرُّ حقّاً بمثل هذا الرماد ؟ أبداً . . . أبداً .
مثال لمأمورَينِ أحدهما حسن الطويّة والآخر حسن السلوك
افرضوا أنّ رجلًا كان له غلامان ، أحدهما كيّس فطن مطيع شغول ، يطيع مولاه وينفّذ تعليماته حرفيّاً ولا يتخطّاها أبداً ، فهو ينهض كلّ صباح فيكنس الدار ويرشّ فناءها بالماء ، ثمّ يزيل الغبار عن جدرانها ، ثمّ يرتدي ملابسه في أدب ويُنجز كلّ ما كُلّف به من أعمال في داخل البيت وخارجه . إلّا أنّ هذا الغلام في حقيقة الأمر لصّ خائن ، لأنّه يترصّد موت صاحب الدار أو سفره ، ليخونه في حريم منزله ، أو ليعتدي على أطفاله ويسرق أمواله ، أو لينصب نفسه مالكاً للدار ، ناوياً في قرارة نفسه تزوير إمضاء صاحب الدار وخاتمه ، والتظاهر بأنّه صاحب تلك الدار ومالكها .
أمّا الثاني فغلام يحبّ مولاه ويكنّ الودّ لحريمه وأطفاله ؛ وهو شخص أمين لا يفكّر في الخيانة حتّى في نومه . ولو لمح وجه مولاه ، لاغر ورقت عيناه بالدموع مودّةً ؛ ولو أصاب قدم طفل مولاه شوكة ؛ لتعكّر صفو روحه . فهو يحبّ أطفال مولاه ، ويرجو أن يبقى ذلك المولى سالماً معافى ، وأن تبقى داره عامرة ؛ إلّا أنّه قد يضعف وقد يتكاسل فيبقى راقداً