فَاعْمَلْ كَأنَّكَ تَرَى ثَوَابَ عَمَلِكَ لِيَكُونَ أطْمَعَ لَكَ في الآخِرَةِ ، فَإنَّ مَا هُوَ آتٍ مِنَ الدُّنْيَا كَمَا قَدْ وَلَّى مِنْهَا . « 1 »
ويتّضح ممّا قيل أنّ الأنبياء يُحاسبون ويُسألون بدورهم ، منتهى الأمر أنّ حساب كلّ امرئ وسؤاله يتناسبان معه ومع شؤونه . فحساب الأنبياء في منتهى الدقّة والعمق والخطورة ، إذ كلّما ارتفعت الدرجة والمقام والمنزلة ، زادت معها أهمّيّة التكاليف وخطورتها .
إنّ جميع الكائنات - عدا الذات القدسيّة للحضرة الأحديّة سبحانه وتعالى - ممكنة الوجود ، والأنبياء هم بشر كالآخرين ، إلّا أنّهم نالوا هذه المقامات تبعاً للتكليف ومجاهدة النفس . وحيثما كان هناك تكليف ، تبعه السؤال والحساب . وعصمتهم لا تنافي تكليفهم ، لأنّ العصمة لا تسلب منهم إرادتهم واختيارهم . وما دامت الإرادة والاختيار لدى المرء ، فسيوجد معهما التكليف والمجاهدة ، والسؤال والحساب .
وقد بحثنا بحمد الله ومنّه في هذا الموضوع بما تيسّر في الجزء الأوّل من كتاب « معرفة الإمام » وأوضحنا أنّ العصمة لا تستدعي سلب الإرادة من المعصومين ، ولا تجعل أفعالهم إجباريّة واضطراريّة ، بل إنّ قدرهم ومنزلتهم مستمدّان من أنّهم - في عين اختيارهم - لا يرتكبون الذنوب والأخطاء ، ولولا ذلك لما كان للعمل الاضطراريّ من فضيلة . قال استاذنا العلّامة الطباطبائيّ في أمر عدم منافاة عصمة الأنبياء للتكاليف الإلهيّة :
وأما كون الأنبياء معصومين بعصمة إلهيّة يمتنع معها صدور المعصية
هامش
( 1 ) - « أصول الكافي » ج 2 ، ص 459 .