مديداً . فيتلظّى بنار الفراق ، ويحسّ بالزمان عليه طويلًا .
إنّ الامّ التي تنتظر عودة ولدها الضائع تعيش حالة ترقّب مستمرّ ، وتتسمّر أنظارها على باب البيت في انتظار لحظة إعادة طفلها إليها ، فيبدو انقضاء الزمان في نظرها بطيئاً ، فهي لا تلبث تتطّلع إلى الساعة وتقول :
عجباً ! إنّهم حتّى الآن لم يرجعوا بطفلي إليّ ! لقد قالوا إنّهم سيأتون به بعد ساعة ، أفلم تمرّ ساعة ، بل وأكثر من ساعة ؟ !
تقول ذلك مع أنّ خمس دقائق لم تنقضِ بعد . ثمّ تقول : انظروا لعلّ الساعة معطّلة لا تعمل !
والأمر كذلك بالنسبة إلى الشخص الذي يُراد تفتيشه في الجمرك أو في مكان آخر ، أو الذي يُراد حبسه في سجن ؛ فإنّ الزمان سيبدو في نظره طويلًا . وهذا الأمر من الوضوح والجلاء بحيث ورد في آداب كلّ اللغات في أشعار الغزل قصص عن فراق المحبوب وعن طول زمان الهجر ، وشُبّه الهجران ب - « شب يلدا » ، « 1 » وبحيث جاء هذا المعنى في قوالب النظم والنثر بأنواع مختلفة من التشبيهات والكنايات والاستعارات ، كما وردت شواهد في القرآن الكريم على هذه الحقيقة الكلّيّة التي ذكرناها :
الأوّل : قصّة إرميا ، وكان من الأنبياء فقد أماته الله وأمات حماره معه ثمّ أحياه بعد مائة عام ، ثمّ سأله : كم لبثتَ ؟ قال : يوماً أو بعض يوم .
فخاطبه تعالى : بل لبثتَ مائة عام :
فَأمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ . « 2 »
هامش
( 1 ) - كلمة فارسيّة تعني أطول ليلة من ليالي السنة . ( م )
( 2 ) - الآية 259 ، من السورة 2 : البقرة .