تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة المعاد — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
أنّني سمعت في النجف الأشرف من رجل عربيّ ، كان - حقّاً - سالكاً لطريق الله تعالى ومن المنزّهين المتحمّسين الصادقين ، أنّه قال : لقد مرّت عَلَيّ أوقات كنتُ أنغمر خلالها في عوالم الحيرة ، فينقضي عَلَيّ شهر أو أكثر من شهر دون أن يكون لي ولعيالى أدنى قوت ( أدنى ما يلزم من الطعام لإدامة الحياة ) ، ولم نكن نحسّ بانقضاء الزمان أبداً ، وكنت أنا وعيالي وأطفالى في حالٍ عاديّة من البهجة والسرور . ولم يكن لعائلتي اطّلاع على انقضاء الزمان أبداً ، كما أنّني لم أبُحْ لهم بذلك حتّى الآن . وهناك أمثلة أخرى على هذا الأمر ، إلّا أنّنا نكتفي بهذا القدر كشاهد على المطلب . وعلى العكس من ذلك ، فكلّما زاد التفات الإنسان إلى عالم الكثرة ، زاد إدراكه لحركة الزمان وتدرّجه . وكلّما زادت درجة التفاته ، كان إحساسه بمرور الزمان إلى الدقائق أكثر من الساعات ، وإلى الثواني أكثر من الدقائق ، وكثيراً ما يحصل أن يكون الأمر أدنى من ذلك ، فقد يكون مرور ثانية واحدة واضحاً لذلك الفرد ومشهوداً لديه . إنّ الأفراد الذين يعيشون حالة انتظار وترقّب لأمرٍ ما ، يدركون امتداد الزمان بشكل جيّد ، ويبدو لهم الزمان طويلًا . فالشخص المعتقل الذي يراد تقديمه إلى المحاكمة تشتدّ عليه ساعات الزمان والشخص المحكوم الذي يُراد إجراء الحدّ بحقّه وإنزال القصاص به أو إعدامه ، يبدو الزمان في نظره طويلًا . فكلّ دقيقة تبدو له بقدر ساعة ؛ وكلّ ساعة تبدو بقدر يوم ، أو بقدر شهر أو سنة . وكثيراً ما يكون الزمان ثقيلًا طويلًا في نظر المحكوم حتّى كأنّه قضى في انتظاره عمراً . والأمر على هذا النحو بالنسبة للعاشق الذي يحترق في فراق حبيبه ، فإنّ الدقائق والساعات تمرّ في نظره بطيئة ثقيلة ، كأنّ كلّ دقيقة تعادل زمناً