وجميع سلسلة الأسباب والمسبّبات مرتبطة بمسبب الأسباب ، والأسباب بأجمعها كائنة بتسبيب الذات القدسيّة للحقّ تعالى ، وجميع الموجودات مع آثارها من الرزق والحساب ماثلة في مُلكه وحاضرة عنده ، سواءً في ذلك الكبير والصغير ، لأنّ الكبير والصغير والقويّ والضعيف إنّما هي اعتبارات تخصّنا نحن ذوي القدرة المحدودة . القدرة التي تجعل نهوضنا بحمل من عدّة كيلو غرامات أمراً يسيراً ، وتجعل نهوضنا بحمل ثقيل أمراً عسيراً . وتجعل حلّ مسألة حسابيّة للعمليّات الحسابيّة الأربع أمراً يسيراً ، في الوقت الذي تجعل حلّ مسائل الرياضيّات العميقة والمعادلات الجبريّة المعقّدة أمراً عسيراً ؛ وتجعل أمر عدّ الأفراد الموجودين في المسجد أمراً ميسوراً ، وعدّ سكّان الكرة الأرضيّة أمراً شاقّاً متعسّراً . فهذه الصعوبة وهذا اليسر من مختصّاتنا نحن ذوي العلم المحدود . وأنّى لنا العلم ؟ وكم لنا من العلم ؟ إنّنا غارقون في الجهل ومغمورون فيه ، ومن المخجل حقّاً أن ننسب إلى أنفسنا علماً ، أو أن ندعو أنفسنا بالعلماء بعد ما بيّن الله تعالى أمرنا ، حيث قال :
وَمَآ اوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إلَّا قَلِيلًا . « 1 »
ولقد أورد لفظ « القليل » لإسعادنا بأن نقول : إنّ لدينا علماً قليلًا . وأي قليل يا ترى ؟ إنّنا لو جمعنا كلّ علومنا وكدّسناها على بعضها لكانت مقابل علم الحقّ تعالى أقلّ من القطرة إلى المحيط ، وأقلّ من الذرّة إلى الشمس المتحرّكة في عنان السماء ؛ أقلّ بما لا يتناهي . فكيف يصدق علينا عنوان العلم القليل ؟
ومن هنا فإنّ القلّة والكثرة ، والشدّة والضعف ، والكبر والصغر
هامش
( 1 ) - الآية 85 ، من السورة 17 : الإسراء .