تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة المعاد — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
إنّ نور الشمس الوضّاء يصل إلى البلّور الشفّاف المتلألئ وإلى المصابيح البلّوريّة الوضّاءة ، فيكون مضيئاً نورانيّاً . أمّا حين يعبر خلال الأواني السوداء المظلمة فإنّه يبدو أسوداً داكناً مظلماً . وإذا سقط على الزجاج الأسود المعتم بدا أسوداً معتماً . فلجج النور تأتي من السماء طاهرة ، لكنّها تبدو في الأوعية المختلفة بجلوات مختلفة . والاختيار لدى البشر أشبه بالأواني النظيفة والملوّثة ، يحتوي على أمطار فيض رحمة الحقّ فيحتفظ بها طاهرة أو يجعلها ملوّثة . ولهذه الجهة تلتقي الطاعات والمعاصي في عالم البشريّة مع بعضها في الظهور ، وينشأ الإحسان والإساءة والحُسن والقبح ، إذ يعيش الإنسان في الدنيا مختاراً إلى أن يلفظ أنفاسه الأخيرة . وهذا الاختيار الذي لا شكّ فيه هو الذي يجعل الإنسان من أصحاب الجنّة أو من أصحاب النار . ولولا الاختيار لما كان من حسن وقبح ، ولا من جنّة ونار ، ولا من ثواب وعقاب . لقد كان سيّد الشهداء مختاراً ، وكان الشمر مختاراً بدوره ، والفعل في كلا الصورتين فعلٌ من جانب الحقّ تعالى ، إلّا أنّ له في ظرفي النيّتينِ والاختيارينِ والإرادتين المختلفتين جلوتين متباينتينِ . وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ . « 1 » أي أنّ إضلال الله تعالى يكون بعد إتمام الحجّة ، إذ ستكون البيّنة والبرهان قد أقيما على الناس في تلك الحال ، وسيكون سبيل السعادة قد اتّضح لهم ، إلّا أنّهم نكصوا عن السبيل بسوء اختيارهم وبنواياهم الملوّثة ، فاختاروا سبيل الانحراف . وفي الحقيقة فإنّ رغباتهم النفسيّة هي التي
هامش
( 1 ) - الآية 115 ، من السورة 9 : التوبة .