فكذلك أنّ الحساب والجزاء مستمرّان للموجودات ودائمان وضروريّان .
ورد في « نهج البلاغة » :
سُئِلَ عَلَيهِ السَّلَامُ : كَيْفَ يُحِاسِبُ اللهُ الخَلْقَ عَلَى كَثْرَتِهِمْ ؟
فَقَالَ : كَمَا يَرْزُقُهُمْ عَلَى كَثْرَتِهِمْ .
فَقِيلَ : كَيْفَ يُحَاسِبُهُمْ وَلَا يَرَوْنَهُ ؟ فَقَالَ : كَمَا يَرْزُقُهُمْ وَلَا يَرْوَنَهُ . « 1 »
وهذا المطلب جدير بالتأمّل ، حيث اعتبر الإمام عليه السلام الحساب والرزق أمرين متماثلين في جميع الآثار والشؤون . وتنطوي هذه العبارة - على إيجازها واختصارها - على كثير من المطالب النفيسة العرفانيّة .
فالرزق والجزاء - إذاً - شيء واحد في حقيقة الأمر ؛ لكنّه يُدعى رزقاً بلحاظ معيّن ، ويدعى حساباً وجزاءً بلحاظ آخر . ومهما سمّيتم أثر العمل الذي تفعلونه ، وسواءً دعوتموه رزقاً أم جزاءً ، فإنّكم لو صلّيتم صلاةً معيّنة عن حضور قلبيّ وحصلت لكم حال حسنة وانقطاع ، فإنّ تلك الحال الحسنة هي نتيجة هذه الصلاة التي ينفتح فيها القلب فيرده من النفحات الإلهيّة ، ويزداد خلالها ارتباط العبد مع خالقه عزّ وجلّ . وهذا هو الرزق الذي منّ الله عليه به .
ولقد قال عزّ وجلّ بأنّه سيرزق الناس حسب أعمالهم وحسبما يشاؤون ، فلو باع امرؤ خمراً وحصل على مالٍ صرفه في معيشته ، فإنّه سيكون قد حصل على رزقه من ذلك السبيل ، ولو باع بدلًا من الخمر شراباً حلواً ومرطّبات ، فإنّه سيكون قد حصل على رزقه عن طريق الحلال .
هامش
( 1 ) - « نهج البلاغة » الحكمة 300 ؛ وفي طبعة مصر ، مطبعة عيسى البابي الحلبيّ ، تعليق الشيخ محمّد عبده : ج 2 ، ص 208 .