كما أنّ علم الخالق بالكتاب المبين علم حضوريّ . ومن هنا فإنّ جميع الموجودات حاضرة أمام الله سبحانه بالعلم الحضوريّ . فلما ذا يحاسب الله تعالى الخلائق ؟ وعلى أي شيء سيحاسبهم ؟ أي شيء لا يعلمه الله حتّى يشاء بحسابه له كشف ذلك المجهول ؟ ! إنّ إعمال القوانين والقواعد الحسابيّة من قِبل الله تعالى أمر لا معنى له أساساً ، إذ ليس من معنى لكشف المجهول من قبل ذاته القدسيّة . كما أنّ أعمال الإنسان - شأنه في ذلك شأن سائر الموجودات - هي موجودات معيّنة وواضحة في مواضعها ، وقد رتّب الله تعالى على كلّ موجود أثراً ، بحيث إنّ نفس ذلك الموجود والأثر المترتّب عليه حاضران في علم الله سبحانه .
فلمن سيحاسب الله تعالى ؟ الحساب للناس الجاهلين من أجل أن يعلموا ما هي النتيجة ، ومن أجل أن يعلموا أنّ الثواب والعقاب قائمان على أساس من العدل والرحمة وليسا قائمين جزافاً على أساس من اللهو واللعب والعبث .
مثال : يحاول المعلّم في المدرسة في بادئ الأمر أن يعلّم الأطفال الجدد مبادئ الحساب ، فتراه يبذل جهداً في إيصال معلومة بسيطة لأذهانهم بأسلوب جذّاب ، فمثلًا يقول لهم : لو فُرض أنّ هناك ثلاثة طيور واقفة على الأرض ، وأنّ كلّ واحد منها سيحمل في منقاره أربعة ورود ثمّ يطير .
فما هو عدد الورود التي حملتها الطيور الثلاثة ؟
ويتحمّل المعلّم المشاقّ في إيصال إدراك هذا المجهول لهذه البراعم المتفتّحة حديثاً ، والتي قدمت إلى المدرسة توّاً . والحقّ أنّ إفهامهم هذا الأمر صعب ، لأنّ أذهانهم لا تمتلك من السعة ذلك القدر الذي يمكنهم من خلاله تصوّر تكرار أربعة ثلاثَ مرّات .
ولكنّ الأمر بالنسبة إلى المعلّم لا ينطوي على صعوبة تذكر ، كما أنّه
معرفة المعاد — صفحة 139
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٣٩