لا ريب أنّ ذلك ممّا يستلزم الجهل والإمكان وألف عيب آخر ، ولا شكّ في أنّ علمه تعالى بالموجودات علم حضوريّ . أي أنّ الموجودات الخارجيّة تمثّل بذاتها علم الله تعالى .
وبعبارة أخرى ، فإنّني - أنا الجالس في هذا المكان - لو شئت مشاهدة هذا المسجد ، فإنّ عَلَيّ أن أفتح عيني لُاشاهده ، حيث ستقع صورة منه في ذهني ، أو أن يقوم أحد ببيان خصوصيّات المسجد لي ، أو أنّ عَلَيّ أن أنظر إلى صورة المسجد وهيئته في كتابٍ ما فيحصل لي العلم به من خلال ذلك .
أمّا علم الله تعالى بهذا المسجد فليس إلّا حقيقة المسجد وواقعيّته ، بل هو نفس المسجد . أي أنّ المسجد بذاته ووجوده الخارجيّ يمثّل علم الله عزّ وجلّ ، وليس هناك - والحال هذه - ثمّة انفصال بين هذا المسجد وبين علم الله تعالى به . وعلم الله سبحانه بكلّ موجود من الموجودات من نوع العلم الحضوريّ ، أي أنّ نفس وجود ذلك الموجود وتحقّقه هو علم الله تعالى . عالم التكوين هو علم الله سبحانه . ومهما فعل الإنسان من عمل ، فإنّ ذلك الشخص وعمله هما عين علم الخالق الحضوريّ .
وإذ اتّضح هذا المطلب ، فقد علمنا أنّ أي موجود ليس خافياً عن الله عزّ وجلّ . وكما أنّ أنفسنا ليست بغائبة عنّا ؛ وكما أنّ قوانا النفسيّة ليست غائبة عنّا ، وكما أنّنا نعلم بها علماً حضوريّاً ، فإنّ علم الله بالله وبصفاته وأسمائه وعلمه تعالى بأفعاله ( وهي جميع الموجودات وشؤونها ) هو علم حضوريّ بدوره .
وَمَا يَعْزُبُ عَن رَبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ وَلَا في السَّمَآءِ وَلَا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أكْبَرَ إلَّا في كِتَابٍ مُّبِينٍ . « 1 »
هامش
( 1 ) - الآية 61 ، من السورة 10 : يونس .