تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة المعاد — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
الأنبياء والأوصياء هم المعيار والميزان ؛ وكلّ امّة تقاس مقارنة إلى الموازين الروحيّة والعمليّة والسلوكيّة لإمامها ، فيكون المعيار في ذلك الحجج الإلهيّة الذين يمثّلون واسطة الفيض وواسطة التربية والتعليم التشريعيّ للناس . وسيحتجّ الله تعالى على الناس بسنّة أولئكم الحجج ومنهاجهم ، وسيحاسب الناس فيثيبهم أو يعاقبهم بناءً على تلكما السنّة والمنهاج : لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيّ عَن بَيِّنَةٍ . « 1 » على أنّ للبعض أعمالًا تفوق في سطوعها وإشراقها ونورها دائرة الأفكار وحدود التصوّر ، وتبهر الأنظار بتلألؤها وضيائها . كما أنّها من الصفاء والطهارة بحيث تتعدى السعة الوجوديّة للملائكة فلا يستطيعون بلوغها ونيلها ، لأنّ تلك الأعمال مختصّة بعشّاق لقاء الله ومتيّمي جماله الخالد ، والسعاة المجاهدين في طريقه ، الذين ينسون كلّ ما سواه . فأيّ ثواب وجزاء يمكن أن يقدّر لهم يومئذٍ ؟ وحين نعلم أنّهم قد تخطّوا عالم الوجود بأسرارهم وأرجاء وجودهم ، ناهيك عن أفكارهم وتصوّراتهم الذهنيّة وقلوبهم ومدركاتهم الباطنيّة ؛ وحين يكونون قد عبروا عالم الوجود ودفنوا - إلى الأبد - وجوداتهم المعارة المجازيّة في مقبرة النسيان ، ونصبوا خيامهم وسرادقاتهم في عالم أزليّة الحقّ من خلال الاندكاك في ذات الحضرة الأبديّة والفناء فيها ، فلن يكون لهم - والحال هذه - من أجر ولا جزاء إلّا الله سبحانه . إنّ تلك الطهارة والخلوص ، وتلك الدرجة من النيّة الحميدة والاستغراق في مشاهدة المحبوب الخالد هي التي منحت عمل مولانا
هامش
( 1 ) - الآية 42 ، من السورة 8 : الأنفال .